2020-05-13
السؤال:
السلام عليكم أرجو التوضيح، سؤالي: هل هناك فرق بين الكتاب والقرآن؟ وهل نزل القرآن على نبيّ الله موسى عليه السلام لأنّه جاء في كتاب الله {وما نزلنا على موسى الكتاب والفرقان} أرجو التوضيح.
 
الاسم: عائلتي سر سعادتي
 
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يجعل ذلك في ميزان حسناتك إنّه سبحانه سميع مجيب.
قبل الإجابة عن سؤالك أودّ أنْ أذكّر بضرورة الانتباه إلى آيات القرآن الكريم عند التشرّف بكتابتها أو نقلها، فما ذكرته لم يرد في القرآن العظيم، فالآية الكريمة تقول:-
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 53].
الكتاب من كَتَبَ، والكتاب في اللسان العربي يعني جمع أشياء بعضها مع بعض لإخراج معنى مفيد، أو لإخراج موضوع ذي معنى متكامل، وعندما نجمع أحاديث سيّدنا الرسول صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وأصحابه الثقات العدول، حسب المواضيع، كأنْ نجمع مواضيع الصلاة ونسمّيه كتاباً فنقول: كتاب الصلاة، وإذا جمعنا مواضيع الصوم نقول: كتاب الصوم.
وإذا قلنا كلمة كتاب ولم نعطها إضافة لتوضيح الموضوع يصبح المعنى ناقصاً، وعلينا أنْ نقول: كتاب اللغة العربية للصف الثالث متوسط مثلاً. أي هذا الكتاب يجمع مواضيع اللغة العربية بعضها إلى بعض وهي صالحة لطلاب الثالث متوسط.
وبما أنّه أوحي إلى سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم مواضيع عدّة في القرآن الكريم، سمّي كتابا، قال سبحانه:-
{رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 2 – 3].
فمن هذه الكتب القيمة: كتاب الخلق، كتاب الساعة، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب المعاملات… إلخ. فكلّ هذه المواضيع هي كتب.
وعلى هذا فالكتاب هو:-
مجموعة المواضيع التي أوحيت إلى سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من الله جلّ في علاه في النصّ والمحتوى، والتي تؤلّف في مجموعها كلّ آيات المصحف الشريف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.
والقرآن لغة: (‏قَرأَ‏)‏ الكتاب ‏(‏قِراءَةً‏)‏ و‏(‏قُرُآنا‏)‏ بالضم‏.‏ و‏(‏قَرَأَ‏)‏ الشيء ‏(‏قُرْآنا‏)‏ بالضمّ أيضا جمعه وضمّه ومنه سمّي القرآن لأنّه يجمع السور ويضمّها‏.‏
وقوله تعالى‏:‏-
{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18]، أي قراءته‏.‏ وفلان ‏(‏قَرَأ‏)‏ عليك السلام و‏(‏أقْرَأك‏)‏ السلام بمعنى.‏
وجمع ‏(‏القارِئِ قَرَأَةٌ‏)‏ مثل كَافِر وَكَفَرَة‏.‏ و‏(‏القُرَّاءُ‏)‏ بالضمّ والمدّ المتنسّك وقد يكون جمع قارئ.‏ ‏كتاب مختار الصحاح.
ويُعرَّف القرآن الكريم في الاصطلاح الشرعيّ بأنَّه:-
كلام الله تعالى المُعجَز، المُوحَى به إلى النّبيّ محمّد -عليه الصّلاة والسّلام وآله وصحبه الكرام- بواسطة المَلَك سيّدنا جبريل -عليه السّلام-، المنقول بالتّواتر، المَكتوب بين دفَّتَي المُصحف، المتعبَّد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة النّاس.
وللقرآن الكريم أسماءٌ أُخرى جاء ذكرها في عدّة آيات كريمات، منها:-
* الكتاب: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الزخرف: 1 – 2].
* الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
* الذّكر: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء عليهم السلام: 50].
* النّور: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174].
* التّنزيل: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 192].
فمن خلال التعريف الذي مرَّ بنا للكتاب والقرآن يتبيّن لنا أنّ الكلمتين مترادفتان، تقول: ذلك القرآن، وذلك الكتاب، والفرقان، والذكر، والنور، والتنزيل، كلّها تعطيك معنى واحدا وهو الكتاب الذي أنزل على الحبيب المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وأصحابه أهل الصدق والوفا.
أمّا السؤال عن قول الله سبحانه:-
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 53].
فقد جاء في تفسير الطبري رحمه الله عزّ وجلّ:-
(ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد رضي الله تعالى عنهم جميعاً: من أنّ الفرقان الذي ذكر الله جل في علاهُ أنّه آتاه موسى عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرّق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. فيكون تأويل الآية حينئذ: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى —} التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرّقنا بها بين الحق والباطل).
والفرق كبير بين القرآن الكريم والتوراة التي أنزلت على سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام، فلقد كان المقصود من التوراة بيان المنهج فقط، أمّا القرآن الكريم فقصد به أكثر من ذلك، فهو: بيان المنهج من ناحية، وبقاؤه معجزة خالدة دالة على صدق النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من ناحية أخرى.
إذًا: فالقرآن الكريم منهج ومعجزة في آن واحد، أمّا التوراة فلقد كانت منهجا فقط وكانت المعجزة العصا وغيرها من المعجزات التي جاء بها سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام، ولولا ذكرها في القرآن الكريم والسنّة الصحيحة لَمَا ثبت ذلك.
أمّا بخصوص سؤالك: هل يجوز إطلاق اسم القرآن على التوراة؟
يجوز، إذا كان من حيث المعنى اللغوي، أمّا من جهة الاصطلاح فلا يجوز للأسباب التالية:-
1- للتمييز بين ما أنزل على سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، وما أوتي سيّدنا موسى عليه السلام.
2- القرآن الكريم معجزة ومنهج، بينما التوراة منهج فقط.
3- القرآن الكريم تعهّد الله سبحانه بحفظه، بخلاف التوراة، قال جلّ وعلا:-
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
اللهمّ صلِّ وسلّم على صاحب الخُلق العظيم، والقدر الفخيم، مَنْ أرسلته رحمة للعالمين، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وألحقنا بخُلقه وأدّبنا بأدبه، وأحيي فينا وفيّ أُمّته هذه المعاني يا كريم.
والله جلّ وعلا أعلم بالصواب والهادي إلى سبيل الرشاد.