2020-05-14
السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته، عفوا سيدي ما حكم لبس جلود السباع كالنمر والفهد؟
جزاكم الله تعالى عنا خيرا

الاسم: حسين علي

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
تعدّدت آراء العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في جلود الحيوانات غير المأكولة كالفهود والنمور وجلود الثعالب والتماسيح والثعابين والدببة وغيرها إلى أقوال:-
الأول: وهو رأي السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(أنّ جميع الجلود تطهر بالدباغ عدا جلد الخنزير) فتح القدير (96/1).
واستدلوا: بقوله عزّ وجلّ:-
{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
ووجه الدلالة: أنّ قوله تعالى (فإنّه رجس) الضمير فيه عائد على المضاف إليه في قوله (لحم خنزير) والمضاف إليه كلمة (خنزير) فالله عزّ وجلّ حكم عليه بأنّه رجس. نيل الأوطار (1/285).
واستدلوا أيضا بعموم حديث النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(أَيّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) الإمام الترمذي رحمهم الله سبحانه.
وأصل الحديث في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى بلفظ:-
(إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)
واستثنوا الخنزير لأنّه نجس العين.

الثاني: وهو للسادة الشافعية رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(أنّ الجلد يطهر بعد الدبغ عدا الكلب والخنزير) مغني المحتاج (1/135).
واستدلوا أيضا بعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام السابق:-
(أَيّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ).
واستثنوا الكلب ــ إضافة للخنزير ــ لأنّ الحياة في إفادة الطهارة أبلغ من الدبغ، والحياة لا تفيد طهارته. مغني المحتاج (1/136).
(ولنجاسة عين الكلب والخنزير) فتح الباري (9/814).
والمعنى: أنّ الكلب والخنزير – أجلّكم الله سبحانه – نجس حال الحياة، فإذا ماتا لا يمكن رفع النجاسة عنهما بالدباغ لأنّهما بالموت ازدادا نجاسة على نجاسة، بينما الحيوانات الطاهرة تنجس بالموت، فتطهر جلودها بالدباغ.

الثالث: جاء في حاشية الإمام الدسوقي (1/92) للسادة المالكية، والمغني (1/89) للسادة الحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(أنّه لا يطهر بالدبغ ولكن يستعمل بعد الدبغ في اليابسات، ولا يجوز استعماله قبل الدبغ ولا بعده في مائع).
والمعنى أنّ الجلد غير المدبوغ نجس لا يجوز استعماله مطلقًا، كما أنّه إذا دبغ لا يطهر، لكنّه إذا دبغ تكون نجاسته مخفّفة، فجوّزوا استعماله فيما هو ليس بسائل كماء أو شراب، كاستعماله في القِرَب أو الأواني، لأنّ السائل أو الرطب سيتنجّس بملامسته الجلد، أمّا إذا استعمل في شيءٍ يابسٍ غير سائلٍ، وغيرَ رطبٍ كاستعماله كفروةٍ فوق الثياب مثلاً، فإنّه جائز لأنّ اليابس لا يُنجّس اليابس.
واستدلوا بحديث سيّدنا عبد الله بن عُكَيْم رضي الله تعالى عنه قال:-
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.
وهو ناسخ لما قبله لأنّه في آخر عمر النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنّه متأخر عنه لقوله في رواية أخرى:-
(إِنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِجَلْدٍ وَلَا عَصْبٍ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ شأنه.
وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. المغني لابن قدامة (1/ 49) بتصرّف.

الرابع: (يطهر الجميع بما فيها الكلب والخنزير ظاهراً وباطناً وهو مذهب السادة الإمام داود وأهل الظاهر وحكي عن الإمام أبي يوسف ورجّحه الإمام الشوكاني رضي الله تعالى عنهم أجمعين) نيل الأوطار (1/285).
واستدلوا بحديث النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(دِبَاغُ كُلِّ إِهَابٍ طَهُوْرُهُ) الإمام الدارقطني رحمه الله سبحانه.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى:-
(وجاء بلفظ (دِبَاغُ كُلِّ إِهَابٍ طَهُوْرُهُ) وأصله في مسلم من حديث أبي الخير عن ابن وعلة بلفظ (دِبَاغُهُ طَهُوْرُهُ)) التلخيص الحبير (1/205).
وعن السيّدة ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت:-
(مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ شأنه.
والقَرَظُ: ورق السَّلَم، وقيل: قشر البَلُّوط.
فالراجح من أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ جلود السباع كالنمر والفهد تطهر بعد الدبغ ويجوز استعمالها.
وأمّا حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله تعالى عنه:
(أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أُنْشِدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) الإمام أَبُو دَاوُد رحمه الله جلّ في علاه.
فهذا الحديث الشريف يحمل على حرمة استخدامها قبل الدباغ، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى:-
(يحتمل أنّ النهي عمّا لم يدبغ منها لأجل النجاسة، أو أنّ النهي لأجل أنّها مراكب أهل السرف والخيلاء) نيل الأوطار (1/71).
ويمكن حمل النهي أيضا على أنّ ركوبها فيه ترويع للنّاس.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أعلم.