2020-05-14
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنكم ونفعنا بروحكم العظيم في الدنيا والبرزخ والآخرة تقدم شاب لعائلة أحد الأحباب يطلب يد ابنتهم، ولم يكن هناك اعتراض على هذا الشاب في شيء سوى أنه يسكن في مكان يبعد عن سكن عائلة الفتاة مسافة خمسون كيلومتر تقريبا، فهل يُعد هذا العذر مقبولا في الشرع الشريف؟ نرجو من جنابكم الإفادة مع كل الشكر.
الاسم: أبو عبد الله
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وأسأله جلّ وعلا لكم السداد والتوفيق، وأنْ يوفقنا جميعا لخدمة هذا الدِّيْن والنّاس أجمعين برحمته إنه سبحانه أرحم الراحمين. وبعد:-
فمن سعادة المسلم أنْ يرزقه الله سبحانه اتباع سُنّة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وتجسيدها في حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لأنّ الغاية التي يسعى المسلم لأجلها إنّما هي تحصيل الهداية التي توصله إلى دار السعادة، وقد قال الله عزّ وجلّ:-
{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [سورة النور: 54].
وقال جل جلاله:-
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ —} [سورة الأحزاب:21].
وقال تبارك في علاه:
{وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} [سورة الحشر: 7].
وممّا أمر به سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، أمّته المبادرة إلى الزواج؛ لأنّه حاجةٌ فطريةٌ، فإذا لم تُغَذَّ بالنكاح يُخشى على صاحبها السِّفَاح – نعوذ بالله تعالى – ومن هنا ندبت الشريعة الغرّاء المسلمين للزواج وحثّت عليه، وجاءت التوجيهات المباركة:-
فعَنْ سيّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه:-
(قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه:
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ولقد وضع الشرع الشريف لقبول الخاطب مقوّمات أساسية لا يمكن التغاضي عنها في إنشاء الأسرة المسلمة، قال الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوْهُ، إِلَّا تَفْعَلُوْا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيْرٌ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
أمّا أنْ يكون سبب رفض الخاطب لفقره، أو اختلاف قومّيته، أو بُعد مسكنه، فهذه أسباب غير شرعية، لأنّها أمور من الممكن أنْ يتمّ التغاضي عنها؛ فمثلاً في مسألة السكن لا يُشترط أنْ يكون كلّ زوج وزوجة من بلد واحد، وكم من شاب تزوّج من بنت جاره ثمّ سافر بها خارج البلد كلّه، تاركين بيت العائلة في بلد آخر.
كيف ومحلّ السكن في محافظة قريبة، ومن الممكن أنْ يكون هناك تواصل بين العوائل على نحو ميسّر بين الحين والآخر، لسهولة ووفرة وسائل النقل الخاصة والعامة، كما لا ننسى أنّ وسائل الاتصال الأخرى أصبحت ميسّرة ومتنوعة، وبإمكان المرء أنْ يتواصل مع أحبابه بالصوت والصورة في أيّ وقت من ليل أو نهار.
وعليه فإنّ بُعْدَ المسافة ليس عيبًا، ولا يمنع من الزواج، وعلى الوالدين أنْ يتذكرا كيف بدأ مشوار زواجهما، وكيف تحولوا من حال إلى آخر، فقد كانا يسكنان في بيت العائلة ثمّ تحوّلا إلى شقة صغيرة في أطراف المدينة إلى أنْ بلغا آخر العمر وفتح الله سبحانه عليهما فسكنا وسط المدينة، وهذا حال أغلب الأسر والعوائل على نحو عام.
فهل من الإنصاف والمعقول أنْ نطلب من الشاب الخاطب أنْ يسكن وسط المدينة وهو في مقتبل عمره وبداية مشوار حياته!؟
لقد جاء الهدي الشريف داعيا ومحبباً وحاثاً على تزويج الشباب وتيسير أمورهم لما في هذا الأمر من خير عظيم للفرد والجماعة، قال الله عزّ شأنه:-
{وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: 32].
وعليه أهيب بالأُسر المسلمة أنْ تتقي الله تعالى وتعتمد المعيار الشرعي لقبول الخاطب أو رفضه، وليكون الزواج مشروعاً روحياً تُبنى عليه الأسرة، لتكون لبنة صالحة لبناء مجتمع إسلامي فاضل يعتمد هدايات الشرع الشريف في كلّ تفاصيل حياته، يبتغي بها رضا الله جلّ في علاه، ومتطلعاً إلى نُعمى الخلود في دار السعادة والقرار.
وربما يرقى هذا الرفضُ إلى نوع من الظلم والله جلّ في علاه قد شدّد النكير فيه، وتوعّد على القليل منه بَلْهَ الكثير، قال سبحانه:-
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].
وقال جلّ وعلا:-
{— فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: 65].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فِيمَا يَرْوِيْهِ عَنِ اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنَّهُ قَالَ:-
(يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا —) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.
والله سبحانه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة النبيّ المختار، وآله الأبرار، وصحبه الأخيار.