2020-05-17
السؤال:
السلام عليكم شيخنا الفاضل، أرجو التفضل بإجابتي على الموقف الشرعي من هذا العمل وبالتفصيل مع خال شكري لجنابكم الكريم.
الموضوع
نحن ثلاث: مهندس (أنا)، ومقاول، وصاحب رأس المال، أخذنا مشروع بناء مدرسة أو مستوصف كمقاولة ثانوية بمبلغ ٢٠ مليون من المقاول الرئيسي وبقيمة تقديرية ١٨٠ مليون وتقسم الأرباح علينا نحن الثلاثة بالتساوي أي الثلث لكلّ واحد. علما أنّ هذا المشروع فيه عدد من الرشاوي كإعطاء مبلغ للمهندس المشرف من الدائرة وأغلب الموظفين الذين تمرّ عليهم معاملة المشروع، حتى سحب السلف من المصرف. فهل يجوز تقليل نسبة الأرباح بدل من الثلث ٣٠% مثلا وأكون غير ملزم بدفع الرشاوي؟ أفيدونا أفادك الله.

الاسم: المهندس: شهاب احمد ابراهيم

الرد:
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع الكريم سائلا المولى جلّ وعلا أنْ يجعل ذلك في صحيفة أعمالك الصالحة إنّه سبحانه سميع مجيب.
الرشوة المحرّمة هي ما تستحل بها ما ليس من حقك، أو تأخذ حقّ غيرك، أو تحرم غيرك من حقه، أمّا أنْ يأخذ المرء حقّه بسبب عرقلة شخص فليست من الرشوة المحرّمة، وسبق أنْ بيّنت حكم الرشوة والأمور المتعلقة بها في أجوبة الأسئلة المرقمة (59، 418، 707، 1936) راجياً مراجعتها في هذا الموقع المبارك.
أمّا كونك شريكاً في عمل، وتعرف أنّ العمل لا يمكن إتمامه إلا بدفع الرشوة، ثم تريد أنْ تتبرّأ منه وتجعله في ذمّة شريكيك بتقليل نسبة الربح فهذا لا يغيّر من الموضوع شيئاً.
العقد والصفقة والعمل في التشريع الإسلامي لابدّ أنْ يبدأ صحيحاً، ويستمر حتى ينتهي كذلك، ومتقناً، لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
فإذا دخل الحرام في العمل في أيّ مرحلة منه أفسد على صاحبه الربح الحلال الخالص، وسواء كان هو مَنْ أدخل الحرام أو شريكه، لأنّهما في نهاية الأمر يتقاسمان الربح معاً.
قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبُ رِيبَةٌ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
وقال:-
(الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
وفي رواية له أيضاً:-
(الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ وَالْمَعَاصِي حِمَى اللهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ).
ومن هذا الموقع المبارك أتوجّه إلى أهل الحِرَفِ والأعمال والتجارة والمقاولات والموظفين وغيرهم من الكَسَبَة فأقول:-
إنَّ الله جلّ جلاله خاطبنا فقال:-
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60].
وقال لنا:-
{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38].
وقال:-
{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77].
وقال:-
{يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39].
لا أريدكم أنْ تتركوا العمل الصالح بل أدعوكم أنْ تتقنوه وتجمّلوه وفق ما يرضي الله جلّ في علاه، وأنتم تراقبونه سبحانه، وتحاسبون أنفسكم، قال تعالى مادحاً تجّاراً وباعة:-
{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [سورة النور: 37].
أيّها الناس: في قوارع الدهر عِبَر، وفي حوادث الأيّام مزدجر، فاتقوا الله تعالى فهذه الدنيا إنّما هي دار ممرّ، وإنّ الآخرة لهي الحياة الدائمة الباقية لو تعلمون، وإنّ اللهُ جلّ وعلا سائلكم سؤالين عن مالكم: من أين اكتسبتموه، وفيمَ أنفقتموه، فهل أعددتم لذلك جوابا.
قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والسؤدد.
والله عزّ شأنه أعلم وأحكم وأرحم.