السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سمعت من بعض المشايخ الكرام أنّ “التصوّف” في العهود القديمة كان مبنيًّا على الصحبة، وأمّا البيعة والالتزام بها فإنّها حصلت بعد ذلك لاجتهاد من قبل المتخصصين في الأمر؛ فما هو رأيكم؟

وأرجو بيان المسألة مع دليلها وجزاكم الله خير الجزاء.

 

الاسم: حسين عدنان نادر

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

إنّ البيعة مستمرة منذ العهد الأوّل، صحيح أنّها كانت (للسياسة الشرعية) بظاهرها، ولكنّها تحمل أيضًا معنى العهد الروحي، لأنّ من المعلوم أنّ وليّ الأمر في الدنيا هو نفسه وليّه في الدين.

وقد جاءت نصوص الكتاب المجيد والسنّة الشريفة لتدلّ على أهمّيتها في حياة المسلمين، قال الحقّ عزّ شأنه:-

{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما} [سورة الفتح: 18 – 19].

وقال سبحانه:-

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [سورة الفتح: 10].

وقال عزّ من قائل:-

{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 111].

 

وهذه الآية الأخيرة تدلّ على أنّ البيعة موجودة في المسلمين إلى يوم القيامة، وأذكر هنا أنّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم عندما اختاروا سيّدنا أبا بكر الصديق رضي الله سبحانه عنه قالوا له:-

(رَضِيَهُ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِيْنِنَا فَكَيْفَ لَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا) الإمام الشافعي رحمه الله عزّ وجلّ في مسنده.

وَقَالَ سَيِّدُنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وَعَنْ سَيِّدِنَا جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-

(بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

وهذه البيعة تشمل الرجال والنساء، قال ربّ الأرض والسماء جلّ ذكره:-

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة الممتحنة: 12].

وَعَنِ السَّيِّدِةِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:-

(أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَقْتُنَّ. قَالَتْ: قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.