2020-05-18

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على كلّ ما تقدّموه في هذا الموقع النافع، أسأل الله تعالى أنْ يزيدكم من فضله.

شيخي الكريم: أنا شاب أعزب مقيم في إحدى الدول الأوربية، تعرّفت على فتاة فأعجبتني، ولغة التفاهم بيني وبينها على مستوى عال من الرقيّ، لذا أريد الزواج منها، لكنّ المشكلة أنّها ليست عذراء، ففي هذه البلاد من الصعوبة بمكان أنْ تجد فتاة غير عذراء، فما حكم الارتباط بها من الناحية الشرعية؟ وهل هناك فرق في كون هذه الفتاة مسلمة أو نصرانية؟

 

الاسم: أحمد.

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وأسأل الله جلّ في علاه لكم التوفيق والسداد، وبعد:-

فإنّ الزواج في الإسلام مشروعٌ ذو شأن عظيم في حياة الفرد والأمّة، وله انعكاساته الكبيرة في الأولى والآخرة، وهو آيةٌ من آيات الله عزّ وجلّ القائل في محكم كتابه العزيز:-

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].

وكما أنّ المسافر يبحث في سفره عن صاحب صالح يأمن إليه ويستعين به، فكذلك هنا يجب أنْ يختار مَنْ يصحبه في سفره القصير في هذه الدنيا الفانية.

وخير أصحاب المرء زوجته التي هي ضجيعته، ومؤنسته، وأمينة بيته، ومربية أولاده، وعونه على مشواره العملي في الحياة، ومعراجه الروحي إلى الله تعالى، قال جلّ في علاه:-

{— هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ —} [سورة البقرة: 187].

وقال صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

وَقَالَ:-

(تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وبما أنّ جنابكم لم يحدّد في بداية السؤال عن عقيدة الفتاة فسأجيب أوّلاً على فرضية كون الفتاة مسلمة، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

صحيحٌ أنّه ليس في الشرع الشريف ما يمنع الزواج من فتاة غير عذراء، خاصّة إذا كانت بريئة لا ذنب لها فيما حصل لها، فقد تفقد الفتاة عذريتها لسقوط حاد مثلا، أو لتدفق شديد للحيض، أو لاغتصاب لا ذنب لها به، أو لغير ذلك من الحوادث التي قد تسبب فقدان العذرية قهراً، ولكن من حيث العموم فإنّ سيدنا النبي صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه رغَّب في نكاح الأبكار.

فهذا سيّدنا جابر قد مات والده رضي الله تعالى عنهما وترك له أخوات فلم يتناسب حاله والزواج من بِكر صغيرة في مثل أعمارهن، ورَغَب بنكاح ثيِّب تقوم على خدمتهنّ ورعايتهنّ، فوافقه حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.

عَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-

(هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ أَوْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ. أَوْ قَالَ: خَيْرًا) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.

إنّ الشريعة الغرّاء تُفرّق بين مَنْ تذهب طوعًا إلى الفواحش والمنكرات – نعوذ بالله تعالى- فتفقد بكارتها، وبين التي تعرّضت لتلك الحوادث، والعبرة بصلاحها بعد ذلك، وبتقواها لله تبارك اسمه.

فإذا ما أراد المسلم الزواج من فتاة فقدت عذريتها بسبب من تلك الأسباب المذكورة فأرجو أنْ يكون له أجرٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ عند الله تبارك في علاه، فقد ستر على فتاة مسلمة منكسرة.

أمّا الذي يُمنع من زواجها هي التي تتخذ الزنى مهنة، قال جلّ جلاله:-

{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [سورة النور: 3].

والزانية تلك التي تواظب على جريمة الزنى، يعني المومسات نعوذ بالله سبحانه.

أمّا مَنْ وقعت في خطأ وتابت، أو مَن اغتُصبت واعتُدي عليها، أو أُكرِهتْ وما جاءت لهذا العمل بإرادتها، أو فقدت عذريتها لسبب قاهر فإنّ الأفضل أنْ يستر الإنسان عليها، وقد قال الحقّ جلّ وعلا عمّن أُكرهت على الزنا:-

{— وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة النور: 33].

وينبغي للمسلم بعد الستر والإكرام ألّا يعود إلى تذكيرها، فإنّ له بذلك أجرا عظيما، وثوابا كبيرا، وأنْ يُبقي هذا الأمر سرًّا في كلّ الأحوال، سواء تمّ الزواج أو لا، قال الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

أمّا إذا كانت الفتاة نصرانية فأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1500) في هذا الموقع المبارك.

ذاك أنّ مسألة الزواج من غير المسلمة فيها مساوئ جمّة وخطورة كبيرة؛ ومن بعض مساوئها فقدان عذريتها، وهو مشاع في تلك البلاد حتى غدا أمرًا طبيعيًّا؛ فمن العيب عندهم أنْ تبلغ الفتاة سنّ المراهقة وهي عذراء، فسبحان الله العظيم كيف يتحوّل الإنسان إذا ما انتكست فطرته!

ولا يخفى على جنابكم أنّ هذا الأمر مخالفٌ للشرائع السماوية، ولما كانت عليه تلك المجتمعات قبل قرن من الزمان تقريباً، وللفطر السويّة.

إنّ الحضارة الأوروبية التي تحيا بين ربوعها اليوم هي حضارة:-

(تبيح الزنى وتهيئ لشيوعه الأجواء والأسباب، وترمي إلى تحديد النسل، والعرض والنسل فيهما غير مصون، وإثارة الشهوات والغرائز بمجمع الذكور والإناث في المدارس والجامعات حال منسجمة كلّ الانسجام مع هذه الغايات في الحضارة الأوروبية حيثما وجدت) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لسيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه ص 114.‪

ومن مقتضيات هذه الثقافة البائسة أنّ الزوجة لا تصون زوجها وشرفها، فلربما باتت عند غيره، أو بات رجل آخر في فراشها، وهذا بالطبع ممّا لا يرتضيه المسلم لنفسه ولزوجته التي يروم الارتباط بها، وقد ذكرتُ بعض مواصفاتها التي ينبغي أنْ تتحلى بها في بداية جوابي أعلاه.

وعلى العموم:-

إذا وجدْتَّ من هذه الفتاة ندمًا على ما كان منها، ورغبةً للمضيّ في طريق العفّة، مع عزمها صادقة مخلصة على عدم العَوْدِ مرّة أخرى مهما كانت الظروف والأسباب، ووثقتَ منها، وتطمع في إسلامها وصلاحها فلا أرى مانعا من الارتباط بها، وإلّا فلا، لأنّ الزواج بوجود كلّ هذه المعوّقات ينتهي بالفشل، وخطر ذلك يعظم إذا قدّر الله عزّ وجلّ أنْ يكون بينكما أولاد، فإنّ مصيرهم سيكون الضياع، وقد قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ جلاله.

وقال:-

(إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ شأنه.

ولا يفوتني أن أؤكّد على أنّه ينبغي للمسلم أنْ يتعرّف على حكم الشرع الشريف في هجرة المسلم إلى الدول الغربية؛ ولهذا أرجو التفضل بالرجوع إلى أجوبة الأسئلة المرقمة (562، 1462، 1474) في هذا الموقع المبارك.

وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يعينك على الخير، ويلهمك السداد والرشاد، ويرزقك الزوجة الصالحة التي تعينك على دينك ودنياك.

والله جلّ جلاله أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.