2020-05-18
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم سيّدي الحبيب أسأل الله العظيم أنْ تكونوا بخير دائما ويبارك في عمركم ورزقكم وتوجهاتكم المباركة، السؤال:
سيّدي الحبيب من المعلوم أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قُبيل نبوّته كان يرى المنام الصادق الذي يتحقق مثل فلق الصبح، فهل بقيت هذه الرؤى تراوده صلّى الله عليه وسلّم بعد الرسالة أم أنّ الأمر تغيّر، أتمنّى أنْ أكون قد وضحتُ. حفظكم الله ورعاكم سيّدي الحبيب.
الاسم: عثمان
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
الحمد لله عزّ وجلّ أنا بخير بفضل الله سبحانه وببركاتِ دعواتكم المخلصة ولكم بأفضل منها.
للرؤى الصادقة أهمية في الإسلام، وقد ذُكِرَتْ مرّات عدّة في القرآن الكريم، وتبرز هذه الأهمية بشكل واضح في سورة سيّدنا يوسف على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام حيث كانت محوراً مهمًّا لمجريات الأحداث التي وردت في السورة الكريمة، وكان تأويل الرؤى ممّا امتنّ الله تعالى على نبيّه سيّدنا يوسف عليه السلام إذ قال عزّ شأنه:-
{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ —} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 6].
وقال:
{— وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا —} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 100].
وكانت الرؤيا الصّادقة من إرهاصات النبوّة قبل البعثة الشريفة كما قالت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها:-
(أوَّلُ مَا ابْتُدِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النُّبُوَّةِ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ أَنْ لَا يَرَى شَيْئاً إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
وقد استمرت الرؤى الصادقة بعد بعثته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام ومن ذلك:-
(مَا رَآهُ فِي عَامِ الحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ حِينَ نَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ: أَيْنَ رُؤْيَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 27].
ثُمَّ رَجَعُوا فَفَتَحُوا خَيْبَرَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
وقد سجّل القرآن الكريم بعض الرؤى التي أريها حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين فقال عزّ وجلّ:-
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43].
وَقَالَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا (أي تُنْحَر)، وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ، الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وَقَوْلُهُ (وَاللَّهُ خَيْرٌ) أي سمع هذه الجملة في الرؤيا وفسَّرها بقوله: وإذا الخير.
وقيل: المعنى ما صنع الله تعالى بشهداء أحد هو خير لهم من بقائهم في الدنيا.
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في حقّ مدينته المنورة:-
(رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ، خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ، فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الجُحْفَةُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
وَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا، وَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا – أَوْ نُسِّيتُهَا – فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْيَرْجِعْ، فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
وعلى المسلم أنْ ينتبه لما يرى في منامه ففيها الكثير من العبر والإشارات والعظات التي يجب الوقوف عندها والاستعانة بمَنْ يؤَولها إذا احتاج لذلك، قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وصلّى الله عزّ وجلّ على نبيّه الأكرم وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
والله جلّ جلاله أعلم.