2020-05-20
السؤال:
سيدي حضرة الشيخ
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي سنويا أقوم بإخراج زكاة الفطر خلال شهر رمضان تقريبا في منتصفه فهل يصح ذلك أم أنّها محددة بيوم العيد؟ ورضي الله عنكم ونفعنا بكم في الدارين وجزاكم عنا خير الجزاء.
الاسم: خادمكم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
قال الحقّ جلّ وعلا:-
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15].
وَعَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-
(فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.
وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-
(فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وللعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في تعجيل إخراجها أقوال:-
الأوّل:- لا يجوز تقديمها قبل وقتها وهو قبل صلاة العيد، وهذا قول الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله عزّ وجلّ، ودليله في ذلك الحديثان الشريفان أعلاه.
الثاني:- يجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين ليتسنّى للفقير أنْ يشتري ما يحتاجه قبل العيد، وهو قول الإمامين الجليلين مالك وأحمد رحمهما الله تعالى، لما ثبت في الصحيح عن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:-
(وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
الثالث: يجوز إخراجها أوّل رمضان، وهو قول الإمام الشافعيّ رحمه الله جلّ وعلا، قال الإمام الشيرازي رحمه الله تعالى:-
(وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُ الفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبَيْنِ: صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالفِطْرِ مِنْهُ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا جَازَ تَقْدِيْمُهَا عَلَى الآخَرِ كَزَكَاةِ المَالِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الحَوْلِ) المهذب في فقه الإمام الشافعي (1/303).
الرابع: يجوز إخراجها حتى قبل رمضان، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله عزّ شأنه قياسا على جواز تعجيل إخراج الزكاة لمَنْ ملك النصاب، قال سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه:-
(إنَّ العَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ ذكره.
ولما رويَ:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ) الإمام البزّار رحمه العزيز الغفار.
قال الإمام السرخسيّ رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ تَعْجِيلَهُ جَائِزٌ لِسَنَةٍ وَلِسَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مُتَقَرِّرٌ، — فَهُوَ نَظِيرُ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ — وَكَانَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ يَقُولُ: يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ بَعْدَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَلَا فِطْرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَكَانَ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ يَقُولُ: يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ) المبسوط (3/110).
وممّا تقدّم يتضح أنّ الأمر فيه سَعَةٌ والحمد لله ربّ العالمين، والذي أرجّحه:-
جواز إخراج صدقة الفطر في شهر رمضان، وفي الوقت الذي يكفي الفقير أنْ يوفّر ما يحتاجه قبل العيد، وهذا الأمر تختلف طبيعته وظروفه من بلد لآخر، فمتى ما تحققت المصلحة للفقير جاز إخراج زكاة الفطر له، سواء في أول الشهر أو منتصفه أو آخره.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد الأنبياء، وأرحم النّاس بالفقراء، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الأتقياء.