2020-05-24
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي. أرجو الله أنْ يمكنكم فيما يرضيه ويفرحكم بأحبابكم وعيالكم ومحبيكم.
عفوا قربان سؤالي هو:- متى يكون المسلم متيقنا أنّ هذه الفتوى، وتلك الفتوى، أو أي فتوى، غير صحيحة لأنّها لا تدخل القلب أو بمعنى آخر متى يستفتى القلب *استفت قلبك* كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام؟
الاسم: عبد القادر الجبوري
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تبارك اسمه أنْ يمنّ علينا بدوام التشبّث بشرعه، مهتدين بهدي حبيبه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أجمعين.
أذكِّر أحبابي بأنّي أجاهد نفسي كي لا أحيد قيد شعرة عن منهج حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين.
فالحديث الشريف المسؤول عنه هو ما ورد عَنْ سيّدنا وابِصَةَ بن مَعْبَدٍ رضي الله تعالى عنه قال:-
(أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ، فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فُقُلْتُ: دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ، قَالَ: دَعُوا وَابِصَةَ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ أَخْبِرْنِي، فَقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) الإمام أحمد رحمه الله الصمد جلّ وعلا.
وظاهر الحديث الشريف بعمومه غير مراد قطعا؛ ذاك أنّ عبارة (استفت قلبك) لا تتلائم في ظاهرها مع قوله جلّ اسمه:-
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].
فالإسلام يحترم التخصّصات في العلم، ويضبط القواعد، ويوجّه في كلّ مستجدات الحياة إلى أرباب الفنّ في ذلك العلم، فكيف يُوجِبُ الله تقدّست ذاته سؤال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ثمّ نَتْرُك أَجْوِبَتَهُمْ وفَتَاوَاهُمْ إلى فَتاوَى قُلُوبِنا؟
ولهذا توجّه شرّاح الحديث الشريف من علماء الأمّة رضوان الله سبحانه عنهم وعنكم في بيانه فقالوا:-
1- إنّه خاصّ بسيّدنا وابصة رضي الله تعالى عنه في واقعة تَخُصُّه. فيض القدير للإمام المناوي رحمه ربّنا جلت صفاته (1/495).
أي أنَّ الحديث الشريف لم يَأتِ بصيغة تُؤْخَذ منها قاعدة عامَّة، بل جاء في واقعة مُعَيَّنة لشخص مُعَيَّن، ووقائع الأعيان لا عموم لها، كما هو مُقَرَّر في علم الأصول.
2- لو فَرْضنا العُموم، فموضع هذا فيما لا نَصَّ فيه، ولا حُجَّة شرعية، وإلَّا وجب اتِّباع الشرع الشريف، قال جلّ جلاله:-
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ —} [سورة النساء: 59].
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله جلّ وعلا:-
(فَأَمَّا مَا كَانَ مَعَ الْمُفْتِي بِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ صَدْرُهُ، وَهَذَا كَالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مِثْلُ: الْفِطْرِ فِي السِّفْرِ، وَالْمَرَضِ، وَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْشَرِحُ بِهِ صُدُورُ كَثِيرٍ مِنَ الْجُهَّالِ، فَهَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ) جامع العلوم والحكم (2/739).
3- إنَّ ذلك عندما يَبْنِي المُفْتِي فَتْواهُ على ظاهر الحال، كما يَعْرِضُه له السائل، وقد تكون هناك أمورٌ خَفِيَّة لا يَطَّلِع عليها، لعلَّه لو عَرَفَها لغَيَّر فَتْواه، والمُسْتَفْتِي هو الذي يَعْرِفُها، فتَظَلُّ نَفسُه غير مُطْمَئِنَّة بما أُلْقِي إليه من فَتْوَى، فقول المُفْتِي هنا مثل قضاء القاضي الذي يحْكُم بالظاهر، ويَقْضِي على نَحْوِ ما يَسْمَع.
قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ولهذا ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث (استفت قلبك) في كتاب رياض الصالحين تحت باب الورع وترك الشبهات.
4- إنّ ذلك في الواقعة التي تتعارَض فيها الأدلَّة. إرشاد الفحول (2/200).
ومعنى هذا أنّ الأدِلَّة حين تَتَعارَض، ولا يُوجَد مُرَجِّح واضح يُرَجِّح أحدها على الآخر، يكون قلب المؤمن وما يُفْتِي به مُرَجِّحا من المرجحات.
ومثله تَعارُض أَجْوِبَة أهل الفتوى بالنسبة للعامّي المُقَلِّد، ولم يكن لديه مُرَجِّح لأحدهم على الآخر أو الآخرين فينبغي أنْ يَرْجِع إلى مَنْ يَطْمَئِنُّ إليه قلبه.
ولكن متى تُؤْخَذ فَتْوَى القلب؟ في الإباحة أم التحريم أو فيهما معا؟
هنا يقول الإمام الغزالي رحمه ربّنا المتعالي:-
(وحيث قضينا باستفتاء القلب إنّما هو حيث أباح المُفْتِي، أمّا حيث حرَّم فيجب الامتناع، ثمّ لا يُعَوَّل على كل قلب، فرُبَّ مُوَسْوِس يَنْفِي كلَّ شيء، ورُبَّ مُتَساهِلٍ يَطِيرُ إلى كُلِّ شيء، فلا اعتبار بهَذَيْنِ القَلْبَيْنِ، وإنّما الاعْتِبار بقلب العالِم المُوَفَّق لدقائق الأحوال، فهو المَحَكُّ الذي يَمْتَحِن به حقائق الأمور، وما أعَزَّ هذا القلب) إحياء علوم الدين (2/118).
وحتى لا تكون المسألة مباحة لكلّ مَنْ هبّ ودبّ، وضع أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم ضوابط لاعتبار فتوى القلب فقالوا:-
1- أﻥْ ﻴﺼﺩﺭ ﺍﻻﺴﺘﻔﺘﺎء ﻋﻥ ﻗﻠﺏ ﻁﺎﻫﺭ ﻤﻌﻤﻭﺭ بالتقوى، وقد أشار الإمام القرطبي رحمه الله جلّ وعلا إلى هذا، فقال:-
(لكنَّ هذا إنَّما يصحُّ ممَّن نوَّر الله عزّوجلّ قلبه بالعلم، وزيَّن جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثراً في قلبه. كما يحكى عن كثير من سلف هذه الأمَّة رضوان الله جلّ وعلا عنهم) المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم (4/492).
2- أﻥْ ﻻ يوجد ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴأﻟﺔ ﺩﻟﻴل ﻤﻥ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺒﺭﺓ، قالَ الإمام أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ رحمه الله عزّ شأنه:-
(رُبَّمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ القَوْمِ أَيَّاماً فَلاَ أَقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَينِ الكِتَابُ وَالسُّنَّة) سير أعلام النبلاء (8/327).
3- أﻥْ ﺘﺭﺩ ﺸﺒﻬﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻠﺏ فيشتبه حكم اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻋﻠيه فيقع في حيرة وتردد ولا يعرف لها حكما، ھﻞ ھﻲ ﺣﻼل أم ﺣﺮام؟ ﻷﻧّﮭﺎ ﺗﺤﺘﻤﻞ اﻷﻣﺮﯾﻦ وﻻ ﻣﺮﺟِّﺢ ﻷﺣﺪھما.
4- أنْ ﻴﻁﻤﺌﻥّ ﺍﻟﻘﻠﺏ ﻟﻠﺤﻜﻡ اﻃﻤﺌﻨﺎﻧﺎ ﻛﺎﻣﻼ، وﯾﺴﻜﻦ إليه ﺳﻜﻮﻧﺎ ﺗﺎﻣًّﺎ، ﻓﺈنّ القلب اﻟﺘﻘﻲّ ﯾﺴﻜﻦ ﻟﻠﺤﻼل، ﻛﻤﺎ ﻗَﺎلَ سيّد الرجال ﺻﻠّﻰ ﷲ تعالى ﻋﻠﯿﮫ وﺳﻠّﻢ وعلى جميع الصحب والآل، لسيّدنا ﻮاﺛﻠﺔ رضي الله سبحانه عنه:-
(فَإِنَّ الفُؤَادَ ﯾَﺴْﻜُﻦُ ﻟِﻠْﺤَﻼلِ وَﻻَ يَسْكُنُ لِلْحَرَامِ) الإمام الطبراني عليه رحمة ربّنا القدير.
ﻓﺈنْ لم ﯾﺰل اﻟﺸﻚّ واﻟﺮﯾﺒﺔ ﻟﻢ ﯾﺠﺰ اﻟﻌﻤﻞ ﺑﻤﺎ أدّى إﻟﯿﮫ اﺳﺘﻔﺘﺎء القلب؛ ﻟﻘﻮل حضرة المصطفى ﺻﻠّﻰ ﷲ تعالى وسلّم ﻋﻠﯿﮫ وصحبه أهل الصدق والوفا:-
(دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيْبُكَ) الإمام الترمذي رحمه ربّنا العلي عزّ شأنه.
ولزيادة الفائدة، ينظر كتاب: أحكام وضوابط استفتاء القلب عند الأصوليين للدكتور مجدي حسن.
وصلّ اللهمّ على صاحب أنقى قلب وأطهر، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه الميامين الغرر.
والله تعالى ذو الجلال والإكرام، أعلم وهو الملك العلّام.