2020-05-27
السؤال:
السلام عليكم يا شيخنا العزيز
أريد أنْ أسألك عن أمّنا هاجر عليها السلام في عدة مسائل:
المسألة الأولى: هل كانت أمّنا هاجر عليها السلام فعلا جارية؟ فكما تعلم أصل الأنبياء دائما رفيع لا تشوبه شائبة. عندما أقارن أمّنا سارة بأمّنا هاجر عليهما السلام أرى فرق بين سيدة كانت حرّة وسيدة كانت جارية ثم أعتقت فأحس بفارق بين اثنتين، العفو منك أجد صعب التقبّل لماذا أمّنا هاجر عليها كانت جارية؟ ولماذا لم تكن بمستوى أمّنا سارة عليها السلام في الأصل(حرّة)؟ عندما بحثت في الموضوع وجدت أحد الأجوبة تقول في اليهودية إذا ولدت الأمَة من سيدها أصبحت حرّة لكن هذا الجواب لا أعتقد صحيحا لأنّ اليهودية كديانة لم تكن في عهد أبينا إبراهيم عليه السلام فبذلك كحكم لا نستطيع أن نطبقه لأنّ اليهودية بعد أبينا ابراهيم عليه السلام. طبعا لا أحتمل من اليهود أو الغير معايرتنا بأصلنا. (نعلم كم أكرمها الله).
 
المسألة الثانية: وجدت أحاديث تقول إنّ أمّنا سارة حلفت على أمّنا هاجر أنْ تقطع منها ثلاثة أشراف فأشار عليها أبينا إبراهيم عليه السلام برا بيمينها أن تثقب أذنيها والختان.
الغريب في هذا الحديث يا سيّدي بأننا نتحدّث عن بيت نبوة. أعلم أنّ الغيرة فطرة في النساء كما حدث في عهد نبينا عليهم السلام. هل من المعقول أنْ نبرّ بيمين حتى لو كان حلفانا على أحد قد يكون أخطأ في حلفانه بحق أحد الأشخاص.
أيضا هنا تبيّن أمّنا هاجر مظلومة من أمّنا سارة ومسلوبة الإرادة لا حق لها أنْ تقول لا أريد. فأرجو أنْ توضّح صحّة أو كذب ذلك الحديث (حديث آخر يقول كيف هربت أمنا هاجر إلى الغابة فظهر لها أحد يبشرها بابن يده على الكل) الأحاديث هنا خرجت من دائرة الغيرة إلى الأذى
 
المسألة الثالثة: عندما هاجر إبراهيم عليه السلام مع أمّنا هاجر عليها السلام وابنه إسماعيل عليهم السلام، يقال إن اشتداد غيرة أمّنا سارة وطلبها أنْ تذهب بعيدا عنها. هنا أيضا مسألة عجيبة وكأنّ كلمة أمنا سارة مسموعة مجابة لا حيلة لأبينا ابراهيم وأمنا هاجر عليهما السلام
 
يا سيّدي نعلم أنّ أبانا إبراهيم لن يفعل إلا ما يأمره الله. أنا تعلّمت الشرف والرفعة وأكمل الأخلاق لن نجدها إلا في بيوت الأنبياء عليهم السلام. فهل من الممكن أنْ توضّح لنا صحة تلك الأحاديث
 
الاسم: ه.ك
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكرك على تواصلك مع الموقع المبارك.
قبل الإجابة على السؤال أنبّه جنابك الكريم، أنَّ هذه الأمور ليست من الضرورات في الدين، فلا حاجة للمسلم أنْ يدقّق فيها كثيرا، وإنّما عليه أنْ يأخذ العبر الظاهرة ممّا ورد في النصوص السليمة التي لا غبار عليها، ويعلم أنَّ الإنسان ينسب إلى أبيه لا إلى أمّه.
وأرجو أنْ لا يكون خافيا أنَّ كرامة الإنسان في الإسلام تقاس بتقواه للرحيم الرحمن جلّ في علاه القائل:-
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
ويؤكّد هذا التقييم العام حتى لا يبقى مجال لشبهة تؤدّي إلى انتقاص إنسان مهما كان من حيث النسب أو الحال (كونه حرّا أو عبدًا) قوله تعالى:-
{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ —} [البقرة: 221].
وقال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
فالمعيار التقوى والإيمان، فكلّنا لسيّدنا آدم عليه السلام، وهو من تراب.
لذلك سعى الإسلام بجدّ واجتهاد لتحرير العبيد بتشريع الأحكام، فجعل عتق الرقاب من القُرُبات العظيمة إلى الله تبارك اسمه القائل:-
{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11 – 13].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وبالفعل فإنَّ نظام العبودية قُضِيَ عليه بفضل نور هدي الإسلام.
ثمّ إنَّ الله تقدّست أسماؤه يريد أنْ يضرب لنا أمثلة في هؤلاء العظماء وكيفية استسلامهم وانقيادهم لأمره عزّ وجلّ، فشدّد عليهم البلاء ليرقيهم فيصبحوا قدوات وهداة، قال سبحانه:-
{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7].
وقال:-
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ —} [الممتحنة: 4].
وتشرّفا بميزان الشرع الشريف في قول الله جلّ وعلا:-
{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21].
أقول:-
أيّهما أفضل سيّدتنا سارة أم سيّدتنا هاجر رضي الله سبحانه عنهما؟ ومن التي خلّدت سيرتها أكثر وصارت رمزا وقدوة؟
الجواب معلوم، فعلى إثْرِ خُطَى السيّدة هاجر رضي الله تعالى عنها بين الصفا والمروة شُرِّعَ هذا السعي ركنا في الحج والعمرة.
أمّا بخصوص سؤالك:
فلعلّ بعضه أجبتُ عنه ضمنا بما تقدّم أعلاه. وما يتعلّق بما ذكرتَ من روايات فهي بحاجة إلى تنقيح وتدقيق وتحقيق وبحث علمي، فهذه القصص بعضها منقول عن أهل الكتاب، وبعضها بصيغة (يُقال) ولم يوقف على مَنْ صحّحها أو ضعّفها، فمثلا ما جاء في ذِكْرِ مَوْلِدِ سيّدنا إسماعيل عليه السلام مِنَ السيّدة هَاجَرَ رضي الله تعالى عنها، قال الإمام ابن كثير رحمه الله جلّ وعلا:-
(قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ اللَّهَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً وأنَّ اللَّهَ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قَالَتْ سَارَةُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْرَمَنِي الْوَلَدَ فَادْخُلْ عَلَى أَمَتِي هَذِهِ لعلَّ الله يرزقني مِنْهَا وَلَدًا فَلَمَّا وَهَبَتْهَا لَهُ دَخَلَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحِينَ دَخَلَ بِهَا حَمَلَتْ مِنْهُ، قَالُوا فَلَمَّا حَمَلَتِ ارْتَفَعَتْ نَفْسُهَا وَتَعَاظَمَتْ عَلَى سَيِّدَتِهَا فَغَارَتْ مِنْهَا سَارَةُ فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَهَا افْعَلِي بِهَا مَا شِئْتِ فَخَافَتْ هَاجَرُ فَهَرَبَتْ فَنَزَلَتْ عِنْدَ عَيْنٍ هُنَاكَ فَقَالَ لَهَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا تَخَافِي فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ الذي حملت خيرا وَأَمَرَهَا بِالرُّجُوعِ وبشَّرها أَنَّهَا سَتَلِدُ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ وَيَكُونُ وَحْشَ النَّاسِ يَدُهُ عَلَى الْكُلِّ وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ وَيَمْلِكُ جَمِيعَ بِلَادِ إِخْوَتِهِ فشكرت الله عز وجل عَلَى ذَلِكَ) البداية والنهاية (1/354).
وما جاء في الصحيح عَنْ سيّدنا ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنّه قال:-
(أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فقد ذكر الإمام ابن حجر رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَارَةَ كَانَتْ وَهَبَتْ هَاجَرَ لِإِبْرَاهِيمَ فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِإِسْمَاعِيلَ فَلَمَّا وَلَدَتْهُ غَارَتْ مِنْهَا فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَعْضَاءٍ فَاتَّخَذَتْ هَاجَرُ مِنْطَقًا فَشَدَّتْ بِهِ وَسَطَهَا وَهَرَبَتْ وَجَرَّتْ ذَيْلَهَا لِتُخْفِيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ وَيُقَالُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ شَفَعَ فِيهَا وَقَالَ لِسَارَةَ حَلِّلِي يَمِينَكِ بِأَنْ تَثْقُبِي أُذُنَيْهَا وَتَخْفِضِيهَا وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَيُقَالُ إِنَّ سَارَةَ اشْتَدَّتْ بِهَا الْغَيْرَةُ فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ إِلَى مَكَّةَ —) فتح الباري (6/400).
وغَيْرَة المرأة من ضرائرها أمرٌ جُبلت عليه، ولذا فإنّها لا تؤاخذ إلا أنْ تعدّت حرمات الله جلّ جلاله.
(وَأَصْلُ الْغَيْرَةِ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ لِلنِّسَاءِ لَكِنْ إِذَا أَفْرَطَتْ فِي ذَلِكَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ تُلَامُ وَضَابِطُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيِّ رَفَعَهُ أَنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَتَمَحَّضُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِضَرُورَةِ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ زَوْجَيْنِ لِلْمَرْأَةِ بِطَرِيقِ الْحِلِّ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَحَيْثُ غَارَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ إِمَّا بِالزِّنَا مَثَلًا وَإِمَّا بِنَقْصِ حَقِّهَا وَجَوْرِهِ عَلَيْهَا لِضَرَّتِهَا وَإِيثَارِهَا عَلَيْهَا فَإِذَا تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ أَوْ ظَهَرَتِ الْقَرَائِنُ فِيهِ فَهِيَ غَيْرَةٌ مَشْرُوعَةٌ فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَهِيَ الْغَيْرَةُ فِي غيرَة رِيبَةٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُقْسِطًا عَادِلًا وَأَدَّى لِكُلٍّ مِنَ الضَّرَّتَيْنِ حَقَّهَا فَالْغَيْرَةُ مِنْهُمَا إِنْ كَانَتْ لِمَا فِي الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ فَتُعْذَرُ فِيهَا مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ إِلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ) فتح الباري (9/326).
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لحديث كسر أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها لإناء إحدى ضرائرها ما نصّه:-
(وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ جَمِيعُ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ مُؤَاخَذَةِ الْغَيْرَاءَ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهَا لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَكُونُ عَقْلُهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَبِ الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَةُ —) فتح الباري (9/325).
فما حصل من غَيْرَةِ سيّدتنا سارة من سيّدتنا هاجر رضي الله تعالى عنهما هو من هذا الباب، وطلب الزوجة من زوجها أنْ لا ترى ضرّتها أمرٌ طبيعيّ ليس فيه مخالفة للشرع، علمًا أنَّ الذي ذكره الحافظ ابن حجر رحمه البرّ تقدّس اسمه (وَيُقَالُ إِنَّ سَارَةَ اشْتَدَّتْ بِهَا الْغَيْرَةُ فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ إِلَى مَكَّةَ) يشير إلى أنَّ سيّدنا إبراهيم عليه السلام هو الذي خرج بسيّدتنا هاجر وابنه سيّدنا إسماعيل عليهم السلام لا أنَّ سيّدتنا سارة زوجه أرادت ذلك منه.
ويدلّ على ذلك ما جاء في الصحيح عن سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:- (— ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ —) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
وفي رواية أخرى عنه أيضا قال:-
(لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ، خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءً نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ، قَالَتْ: رَضِيتُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَرَجَعَتْ —) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
ومهما يكن فنحن في رياض من أُمِرْنَا بالاقتداء بهم، والتنوّر بِسِيَرِهِم، والاستفادة من بركاتهم، قال تعالى:-
{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].
فارتباطنا الروحيّ بهم بشكل عام، وبسيّدنا إبراهيم عليه السلام بشكل خاص يتجسّد في السلام عليهم وعليه في جلسة التشهّد ضمن هدايات شريعة الإسلام الغرّاء.
وصلّى الله تعالى وسلّم على فخر الأنبياء، وإمام الأتقياء، سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه الأوفياء.
والله تبارك اسمه أجل وأعلم.