2020-06-04

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سيّدي الكريم جزاكم الله تعالى عنا وعن المسلمين خير الجزاء ونسأله تعالى أن تكونوا بخير وصحة وعافية، وأنْ لا يحرمنا الله تعالى منكم لا في الدنيا ولا في الآخرة.

خادمكم عندي سؤال أرجو من جنابكم الكريم الإجابة عليه:-

شخص أوقف أرضًا لبناء مسجد ومدرسة دينية، وقد حصلت مشكلة مع جيران هذه الأرض وهو عنده مشاكل قديمة مع جيرانه، والأرض منذ سنوات متروكة بسببهم، فيسأل هل يجوز أنْ يرجع في هذا الوقف، أو يبيع جزءً من هذه الأرض المجاورة لجيرانه أصحاب المشكلة حتّى لا تحدث معهم مشكلة أكبر.

وجزاكم الله تعالى خيرا، ربي يحفظكم

 

الاسم: خادمكم فراس محمود

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، ودعواتكم الطيّبة الصادقة، وبعد:-

لقد أكّدت هدايات الشرع الشريف على ضرورة العناية بالجار ومعرفة حقوقه، قال الله عزّ وجلّ:-

{وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [سورة النساء: 36].

ولقد أوصى سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بالجار في مناسبات كثيرة منها قوله:-

(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ) متفق عليه.

وقوله:-

(مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) متفق عليه.

وقوله:-

(واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَنْ يا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذي لا يأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي روايةٍ أخرى قال:-

(لا يَدْخُلُ الجنَّة مَنْ لا يأْمَنُ جارُهُ بوَائِقَهُ) الإمام مسلمٍ رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال أيضا:-

(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ) متفقٌ عَلَيهِ.

فهذه النصوص الشريفة كلّها تتعلّق بعظم حقِّ الجار، وأنّ الواجب معه الإحسانُ إليه، وكفُّ الأذى عنه؛ وقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(واللَّهِ لا يُؤْمِنُ — الَّذي لا يأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ) وعيدٌ شديد، ومعنى بوائقه: غُشمه وظُلمه وما يصدر منه من الغدرات والإساءة والأذى.

وللأسف فقد حُرِم كثير من النّاس هذه الهدايات المباركات، وبتنا نرى ألواناً من الإساءات يعود بها الجار على جاره حتى وإنْ كان الجار بيتاً لله جلّ في علاه، ولا حول ولا قوة الا بالله العليّ العظيم.

أمّا فيما يتعلّق بالوقف وبيعه أو تغيير صنفه فأقول وبالله تعالى التوفيق:-

الوقف في التشريع الإسلامي مستحبٌ؛ لما فيه من أنواع البّر والمواساة للفقراء في الدنيا، وتحصيل الثواب في الآخرة، فهو صدقة جارية دائمة، لأنّه من أجلِّ وأعظم أعمال القُرَب التي لا تنقطع بعد الموت.

ولقد حثّ الله عزّ شأنه عليه، ورغَّب فيه رسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين.

قال الله جلّ جلاله:-

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 92].

وقال سيّدنا رَسُولَ الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ ذكره.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا قَالَ:-

(أصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أرْضاً، فَأتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أصَبْتُ أرْضًا، لَمْ أصِبْ مالاً قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. فَتَصَدَّقَ عُمَرُ: أنَّهُ لا يُبَاعُ أصْلُهَا، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ، فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ الله، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ) متفق عليه.

والوقف: مالٌ أخرجه الإنسان عن ملكيته لله عزّ وجلّ، فلا يجوز التصرّف فيه ببيع أو هبة ونحوهما؛ لأنّ البيع يفتقر إلى ملكية، والوقف لا مالك له، والقاضي له ولاية مبنية على الولاية العامّة للحاكم ببيع ما لا مالك له.

فمَنْ أوقف أرضًا أو دارًا أو مزرعة لله سبحانه فقد خرجت عن ملكه وتصرفه إلى ملك الله جلّ وعلا، فلا تُباع، ولا توهب، ولا تورث، ولا تسترد، وليس للورثة أنْ يبيعوها؛ لأنّها خرجت عن ملكية المورِّث.

فإذا خرب الوقف، وتعطلت منافعه جاز بيعه واستبداله بمثله أو أفضل منه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، أو مسجد انصرف أهل القرية عنه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه ونحو ذلك من الأسباب التي تُنقِص أو تَمنع الانتفاع به.

صحيح أنّ الأصل في الوقف أنْ ينفَّذ حسب أمر الواقف، ولا يجوز تبديل صورة الوقف سواء كان أرضًا، أو مزرعة، أو مسجدًا، أو دارًا؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

(وَيَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْوَقْفِ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ حَيْثُ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْوَاقِفِ لَهَا صَرْفٌ عَمَّا سِوَاهَا) كشاف القناع عن متن الإقناع (4/267).

ولكن إذا تعطّلت منافع الوقف فيُصرف في مثله، وتجوز مخالفة نصّ الواقف بنظر القاضي إلى ما هو أصلح وأنفع وأحب إلى الله تعالى.

ويجوز إبدال الموقوف بخير منه في حالتين:-

إحداهما: أنْ يكون الإبدال للحاجة كمسجد رحل النّاس عنه، أو دار انهدمت، أو فرس انكسرت، فيباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه من مثله.

الثانية: الإبدال لمصلحة راجحة كبستان تعطلت منافعه، وقَرُب منه العمران، يُقَطَّع أراضي، ويُبنى عليها مسجد، أو مدرسة، أو مستشفى، أو بيوت لسكن الفقراء والأيتام والأرامل، أو محلات تجارية تبنى وتؤجر، وتؤخذ أجرتها وتصرف في وجوه البرّ والإحسان ونحو ذلك.

فمع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه؛ لظهور المصلحة، وعموم المنفعة؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

(وَيَجُوزُ تَغْيِيرُ شَرْطِ الْوَاقِفِ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى الْجِهَادِ صُرِفَ إلَى الْجُنْدِ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى مَصَالِحِ الْحَرَمِ وَعِمَارَتِهِ فَالْقَائِمُونَ بِالْوَظَائِفِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمَسْجِدُ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالْحِفْظِ وَالْفَرْشِ وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَإِغْلَاقِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ نُصُوصُ الْوَاقِفِ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ.

مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي وَالنَّاذِرِ وَالْحَالِفِ وَكُلِّ عَاقِدِ يُحْمَلُ عَلَى مَذْهَبِهِ وَعَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا وَافَقَ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوْ لُغَةَ الشَّارِعِ أَوْ لَا) الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية (5/429).

ومسألة التعامل مع الوقف في مثل هذه الحالات يحتم عليّ أنْ أتكلّم قليلا عن ناظر الوقف، فأقول وبالله جلّ وعلا التوفيق:-

ناظر الوقف: هو الشخص الذي يقوم على متابعة شؤون الوقف وتحقيق مصالحه بما يحقق الغاية المرادة من وقفه.

ويجب على الواقف أنْ يعيّن ناظراً على الوقف؛ لئلا يضيع، وإذا لم يعيّن الواقف ناظراً فالنظر يكون للموقوف عليه إنْ كان معينًا، ويجوز تعدّد النظَّار عند الحاجة.

وإنْ كان على جهة كالمساجد، والجهات الخيرية، ومَنْ لا يمكن حصرهم كالفقراء، وطلبة العلم، والمجاهدين ونحوهم فالنظر على الوقف يكون للحاكم.

ويشترط في الناظر العدالة والكفاية، فإنْ لم تتوفر العدالة والكفاية نزع الحاكم الوقف منه، وأشرف عليه غيره، ومهمة ناظر الوقف محصورة في أمرين:-

الأوّل:- المحافظة على الوقف، ورعايته، وصيانته، وتنميته.

الثاني:- صرف الوقف في الجهة التي سمّى الواقف، ولا يتصرّف زيادة على ذلك إلّا بإذن القاضي.

ومن هنا ينبغي أنْ يقوم ناظر هذا الوقف بوظيفته في حماية الوقف وكفّ الأذى عنه، ويسعى في إتمام ما وقفت الأرض عليه، وممّا ينبغي عليه مثلا تحديد أبعادها، ووضعها ضمن جدار يحيط بها ليحفظها من التجاوز والأذى.

ويجب على ناظر الوقف اتخاذ كلّ الوسائل المشروعة للتفاهم مع هذا الجار بالحكمة والموعظة الحسنة وتذكيره بهدايات الشريعة الغرّاء عن حقوق الجار التي ذكرتُ بعضها في مطلع الجواب، وفي حال استنفاذ كلّ وسائل الصلح والإصلاح مع هذا الجار فله أنْ يرفع الشكوى عليه لدفع الضرر، ومراجعة الجهة التي تمّ وقف الأرض عليها للقيام بواجبها في هذا الاتجاه إذا تأكّد له اهتمامهم بالوقف الإسلامي وحرصهم على تحقيق غاياته النبيلة.

فإن تعذّر كلّ ما تقدم واستمر تحقق الأذى من هذا الجار فيجوز بيع الوقف كلّه أو بعضه بعد أنْ تحقق تعطل منافعه بسبب أذيّة ومضايقة جار السوء، ولكن يرجع في ذلك إلى القاضي أو الجهة التي أوقفت الأرض إليها، وينبغي أنْ يضع مبلغ البيع في موضع فيه منفعة في نفس المصرف الذي تمّ وقف الوقف عليه؛ أي إذا كان مصرف الوقف للمسجد والمدرسة فيكون مبلغ بيع تلك الأرض لغرض بناء المدرسة مثلا، فهو عين المصرف الذي تمّ وقف الأرض عليه، وبهذا ينتقل الوقف إلى وقف آخر أنفع منه، لأنّ هذا هو غرض الواقف.

(— وَمَعَ الْحَاجَةِ يَجِبُ إبْدَالُ الْوَقْفِ بِمِثْلِهِ، وَبِلَا حَاجَةٍ يَجُوزُ بِخَيْرٍ مِنْهُ لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ) الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى (5/433).

وفي حالة البيع لا ينبغي أنْ يستجيب ناظر الوقف لضغوط هذا الجار وبيع الأرض بثمنٍ بخس، فهذا ظلم لا يرضى الله عزّ وجلّ به أبداً؛ قال تبارك في علاه:

{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [سورة الشعراء: 183].

وإلى حين إتمام هذا الأمر ينبغي لكم الصبر على ما ابتلاكم الله تعالى به من هذا الجار المؤذي، والتعامل معه بحكمة وَرَوِيَّة عسى الله جلّ وعلا أنْ يصرف شرّه ويكفّ أذاه.

وبهذه المناسبة أنصح المسلمين ذكورا وإناثا بضرورة إطلاق الوقف بنيّة منفعة الخلق لتحقيق المصلحة وعدم الوقوع في إشكالات القيود وتنفيذ الشروط.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (504، 983، 2171، 2418) في هذا الموقع الميمون.

وفقكم الله سبحانه لخدمة بيوته الكريمة ونشر أنوار الشريعة الغراء الهادية لمعاني الرحمة والجمال والعدل.

واللهَ تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.