2020-06-04
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…هل يجوز للزوجة الامتناع عن بيع بيت زوجها المتكوّن من ثلاثة مشتملات كونها مستفيدة من إيجار اثنين منها إضافة إلى راتب زوجها التقاعدي… علما بأنّ بعض أولاده الورثة يطالبون بالبيع واستحصال حقّهم من التركة.
الاسم: زاهد الجميلي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:-
فقد هدت الشريعة الغرّاء إلى ضرورة تقسيم التركة بعد موت الوارث ام المورِّث ليأخذ كلّ وارث نصيبه منها كما أمر الله جلّ جلاله وعمّ نواله، ورسوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم؛ إذ إنّ تأخير ذلك يفضي في كثير من الأحيان إلى مشاكل عدّة تؤدي إلى قطع الأرحام واندثار الأموال وضياعها عياذا بالله عزّ وجلّ.
ويتأكّد هذا الواجب إذا كان التأخير يتسبّب بضرر لأحد الورثة.
كما أنّه لا يحق لوارث التصرّف بشيء من التركة وإهمال الباقي إلا إذا اتفق جميع الورثة على ذلك، وليس شرطا أنْ يتمّ بيع العقار، ولكن ينبغي أنْ يستلم الورثة حقوقهم، ومَنْ كانت له رغبة في بقاء العقار فعليه أنْ يُعطي الورثة الآخرين مقدار نصيبهم منه بعد أنْ يتمّ تقييم سعر العقار في ذلك الوقت، ويكون ذلك في جوّ من المودة والمحبة، فهذا أمر الله جلّ في علاه وشرعه الحنيف يتمّ تنفيذه بين أفراد أسرة مسلمة واحدة.
وعليه فلا يجوز أنْ يُمنعَ أحد من الورثة من حقّه في الميراث بحجة أنّ الأمّ ما زالت على قيد الحياة مثلاً، سواء كان ذلك الوارث غنياً أو فقيراً، والأمّ ليس لها ولاية على مال أبنائها وبناتها حتى لو كانوا صغاراً، فكيف وهم كبار بالغون؟! وكلّ واحد منهم له الحق في أخذ نصيبه كاملاً موفوراً، لأنّه حقّ ملَّكه الله عزّ وجلّ إيّاه، ومَنْ منع أحدا منهم مِن أخذ حقّه فهو عاص آثم تلزمه التوبة إلى الله سبحانه، ومَنْ أخذ من التركة ما ليس له فهو ضامن يلزمه ردّه إلى الورثة، حتى الأمّ نفسها لا يجوز أنْ تمنع أحدا من بناتها أو أبنائها من أخذ حقّهم في الميراث.
ولكن ينبغي التأكيد على مراعاة صيانة الأرحام، والترفّق بها، وعدم قطعها، وبذل كلّ وسائل اللطف والحكمة في حلّ هذه الأمور، قال الله اللطيف الشكور جلّ وعلا:-
{— وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: 1].
وليعلم الجميع أنّهم موقوفون أمام الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَنْ أتى الله سبحانه بقلب سليم، وقال سيّدنا الرؤوف الرحيم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ مِنْ أَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فإذا أُستُنفذت كلّ الوسائل المبنيّة على الحوار والملاطفة والإفادة من تأثير بعض الأشخاص من الأقرباء والمعارف في تطبيق هذا التشريع الربّاني، وقابل الطرف الآخر هذا الأمر بالتعنّت والنزاع وأصرّوا على منع الآخرين من حقّهم فللورثة أو أحدهم سواء كان متضرراً من عدم تقسيم الإرث أو بدونه أنْ يرفع أمره إلى القضاء، ويتّخذ الوسائل القانونية المشروعة، ليقوم بإلزام الورثة بما يجب عليهم شرعاً، حتى لو كانت الأمّ هي هذا الطرف المتعنّت فليس هناك حرج في رفع الأمر إلى المحكمة إنْ لم تجدوا سبيلا آخر كما أسلفت، ولا يُعدّ هذا عقوقاً، فقد دلّت السُنّة المشرّفة على جواز مرافعة الوالد ومخاصمته عند المحاكم.
عن سيّدنا مَعْن بْن يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ:-
(بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في الفتح:
(وَفِيهِ جَوَاز التَّحَاكُم بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ عُقُوقًا).
والغالب في مثل هذه المسائل التي يقع فيها نزاع بين الورثة أنّها تكون أحوج إلى القضاء منها إلى مجرد الفتيا، والله جلّ وعلا يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكن لا تنبغي الخصومة والعداوة والقطيعة مع القضاء، فإنّما شرّع الله تعالى لنا القضاء لنَفُضّ النزاعات والخصومات التي عجزنا عن حلّها لجهلنا أو لسطوة أنفسنا الأمّارة بالسوء، وعليه فهو وسيلة للذهاب إلى طرف ثالث نحتكم إليه ليُعطي لكلّ منّا حقّه كما أمر الله جل في علاه، وسبحانه أحكم الحاكمين الرحيم العدل الحق المبين.
وما أجمل أنْ يكون الولد هو الذي يصحب أمّه إلى المحكمة بكلّ رفق ولين، ويستمر في برّها ووصلها أثناء سير القضية وبعد الانتهاء منها.
ولم يحصل أنْ نفذت العوائل أمر الله سبحانه في توزيع التركات بعد موت الوارث الّا وعادت الفائدة والمنفعة على الجميع.
وأخيراً أرجو استخدام خاصية البحث في الموقع المبارك لتجد عشرات الأسئلة فيما يخصّ موضوع التركة للإفادة منها لمزيد اطلاع وعلم.
أسأل الله جلّ في علاه لكم التوفيق والسداد والتمسك بهدايات الشرع الشريف.
وصلّى الله تعالى وسلّم على النبيّ العفيف سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل التشريف.
والله تبارك اسمه أعلم.