2020-06-06
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بداية أرغب أنْ أقدّم لكم شكري الجزيل على هذا الموقع النافع الذي يستفيد منه الكثير من المسلمين في أنحاء العالم، جعله الله تعالى في ميزان حسناتكم وأجزل لكم المثوبة والجزاء.
أنا أعيش في بلد أوروبي توجد فيه مؤسسات مالية تصدر بطاقات بنكية خاصة يمكن الدفع بها للشراء دون الحاجة لإيداع رصيد بحيث يتم تقسيط نفس المبلغ الذي تمّ دفعه على أقساط بدون زيادة، أغلب الناس هنا يتعاملون بها لشراء المشتريات الغالية مثل الأجهزة الكهربائية ويقومون بتسديد الأقساط على مدى عدة أشهر حسب نوع البطاقة، الشركة التي أصدرت البطاقة لا تتقاضى عمولات مقابل التقسيط طالما يتمّ السداد في موعده، لكن تشترط أنّ مَنْ يتأخّر عن سداد القسط فإنّه يدفع زيادة ترتفع بزيادة المدّة.
فريق من العلماء هنا أفتى بجوازها إذا كانت نيّة الشخص عند استعمالها دفع الأقساط في موعدها دون تأخير يؤدي إلى الربا، والفريق الآخر أفتى بحرمة التعامل بها مطلقاً لوجود الشرط الربوي.
أفتونا مأجورين جزاكم الله خيراً.
الاسم: طالب علم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وأسأله سبحانه لكم بمثلها وأكثر منها، وبعد:-
في البدء أود أنْ أبيّن مسألة مهمة:-
صحيح أنّ الشريعة الغرّاء تدعو للتطوّر والحداثة والتجديد، فالله عزّ وجلّ جميل يحبّ الجمال، ولكن ينبغي أنْ يكون ذلك في حدود طاقة المرء وإمكانياته الشرائية، وأنْ لا يكون ذلك بدافع هوس الشراء لكلّ ما هو جديد، فالشركات كما أصبح واضحاً في هذا العصر تبتكر موديلات جديدة، وتضع الكثير من الإعلانات والعروض طلباً للربح المستمر.
وصحيح أنّ الشرع الشريف أباح القرض الحسن ولكن في حدود الحاجة والضرورة، وإلّا فالأصل أنْ يكون المسلم بريء الذمة من الديون، وجاء الترهيب الشديد منه في روايات عديدة منها:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُوَ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِالوَفَاءِ، قَالَ: بِالوَفَاءِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) الإمام الترمذي رحمه الله الوليّ سبحانه.
أمّا بخصوص السؤال فقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة: 275].
إنّ شراء السلع بالدَّيْن لا حرج فيه، ولو كانت السلعة بأكثر من ثمنها في السوق؛ لكن لا يجوز فرض زيادة على مَنْ تأخّر في سداد الدين، مهما كان قدر هذه الزيادة فهذا ربا صريح نعوذ بالله جلّ وعلا منه.
والربا ليس خاصّا بالقرض، بل كلّ زيادة مشترطة على الدَّيْن فهي ربا، سواء كان الدَّيْنُ قرضا، أو ثمن مبيع، أو أجرة عقار ونحوه، ولا يجوز – مثلًا – في البيع بالتقسيط ، بسبب تأخّر المدين عن سداد الأقساط المتبقية، سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة؛ فهذه المعاملة محرّمة؛ سواء تأخّر التسديد أو تمّ في وقته المحدّد، وذلك لأنّ الداخل في هذا التعامل التزم بإعطاء الربا إذا لم يسدّد في الوقت المحدد، وهذا التزام باطل، ولو كان الإنسان يعتقد أو يغلب على ظنّه أنّه مُوفٍ قبل تمام الأجل المحدّد؛ لأنّ الأمور قد تختلف، فلا يستطيع الوفاء، وهذا أمر مستقبلي، والإنسان لا يدري ما يحدث له في المستقبل.
ولقد أجاز بعض العلماء المعاصرين رضي الله تعالى عنهم وعنكم تصرفاً معيناً يتعامل به بعض البنوك الإسلامية، فقد وجدوا أنّ النّاس تُسارع في السداد للبنوك التي تفرض الغرامات الربوية بينما لا تفعل ذلك مع البنوك الإسلامية التي لا تفرض تلك الغرامات، وكان الأولى بهم أنْ يقابلوا الإحسان بمثله، وصورة ذلك التصرّف هو أنْ يُلزم الطرف المستفيد من القرض نفسه بتسديد القرض في وقته وإلا فإنّه يدفع مبلغاً محدّداً تبرعاً منه، يضعه المصرف في وجوه البّر والخير حصراً، وليس للمصرف المقرض منه شيء، وهذا الشرط يثبت في العقد المبرم بين المصرف وطالب القرض.
أمّا التعامل الذي وصفته جنابك في السؤال فهو في دائرة التحريم، لأنّه أحد أنواع الربا، والعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم يسمّون ربا الديون الذي حرّمه القرآن الكريم ربا النسيئة، وهو الزيادة في الدَّين نظير الأجل، لأنّ الديون تأخذ حكم القروض بعد ثبوتها في الذمّة، ولأنّ الديون تشمل القروض والبيوع، فالبيوع الآجلة نوع من الديون، وكلّ بيع تأجّل أحد بدليه فهو دَيْن؛ ففي بيع يتأجل فيه الثمن يكون الثمن فيه هو الدّين.
وعليه فمَنْ تعامل بهذا النوع من التعاملات فهو آثم إلا أنْ يكون مضطراً اضطراراً حقيقياً واقعاً، والضرورة تُقدّر بقدرها على اختلاف الظروف والأشخاص، فإنْ كنت قد اضطررت لهذا التعامل لدفع حاجتك الماسّة، أو لكونك من المقيمين في تلك البلاد التي يشيع فيها هذا التعامل وقد عمّت به البلوى فلا أقلّ من أنْ تعاهد ربّك تبارك اسمه بنيّة صادقة بعدم الوصول إلى مرحلة التصرّف الربوي في المعاملة.
ولمزيد اطلاع وفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1488) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تقدّست أسماؤه أعلم.