2020-06-07
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة الدكتور الشيخ الأستاذ المحترم حفظكم الله عزّ وجلّ من كل سوء.
ابنتي الوسطى تبلغ من العمر٢٠ سنة متزوجة وزوجها سابقا مطلّق ولديه ولد من طليقته الأولى عمره حاليا ١٢ سنة وهو أي الولد معوّق ولديه تخلّف ولا يستطيع المشي بتاتا عندما تقدّم لخطبة ابنتي تعهّد أمام الجميع الحاضرين بأنّ هذا الطفل سيعيش بكنف أهل الخاطب وليس للزوجة أي علاقه به كان عمرها في حينها ١٧ سنة ولكون الولد يحتاج عناية خاصّة تزوّجوا وسكنوا مع أهل الزوج، وبعد سنة من الزواج قامت مشاكل بين البنت وأهل الزوج ممّا اضطر إلى الانتقال مع زوجته إلى بيت مستقل أجبر الرجل على أخذ ابنه المعوّق تنصلا من الاتفاق السابق عليه قامت ابنتي برعاية الولد ثمّ أنجبت هي ولد فأصبح اثنان على كاهلها ابن زوجها المعاق وطفلها، وبمرور الوقت كبر هذا الولد المعاق وأصبح حاليا بعمر ١٢ سنة وهي تقوم بغسله وتحمله للحمام وكثير من الأمور أصبح وزنه فوق طاقتها، أهل الزوج يرفضون رعاية الولد، والزوج قد امتنع عن الإنجاب حتى لا تكون حاملا وتحمل الولد ممّا قد يؤثر عليها، وكانت في كلّ مرّة تراني تشكو لي ما تعانيه من تربية الولد إضافة إلى مسؤولياتها الأخرى في البيت، معاملة زوجها لها ممتازة، وبينهم كلّ الودّ والاحترام، وأنا دائما أصبّرها وأذكرها بأنّ لها الأجر والثواب على رعاية الولد، علما أنّ أم الولد قد رفضت أنْ يعيش في كنفها.
الآن يبدو أنّ الأمور بدأت تتعاظم على ابنتي حيث إنّ نفسيّتها تعبة جدّا، تقول إنّها في بعض الأحيان تفكّر بالانتحار، وأنا أخفّف عنها بالقول والكلام، تقول إنها لا تستطيع أنْ تذهب إلى أي مكان بسبب الولد، فالأب يخرج للعمل ولا يرجع إلّا ليلا، تفكّر بالانفصال بسبب هذا الأمر لأنّ المسؤولية أكبر من طاقتها، تفكّر أنّ الولد سيكبر وبعد خمس سنوات مثلا كيف سيكون حالها؟ كيف ستتعامل معه وهو شاب؟ هل لها الحق بطلب الانفصال لهذه الأسباب؟ ولا أعرف كيف أحلّ الموضوع لقد عجزت أنْ أجد حلا يرضي جميع الأطراف لجأت إلى جنابك الكريم علِّي أجد الحلّ، شيخنا الجليل لكم مني فائق الشكر والتقدير وأسأل الله عزّ وجلّ أنْ يوفقكم ويطيل بعمركم، وصلِّ اللهمّ على سيّدنا ومولانا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
الاسم: سمير سامي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى حُسن ظنّكم ودعواتكم المباركة، وأسأله سبحانه لكم التوفيق والسداد.
في البدء لابُدّ لي أنْ أتوجّه بالشكر الجزيل لجنابك الكريم على حرصكم الطيب في متابعة ابنتكم الفاضلة والاهتمام بشؤونها والسعي لحلّ مشاكلها، فهذا تفعيل لهدايات الشرع الشريف في الرحمة والصلة والإحسان خصوصاً فيما يتعلّق بالنساء فهنّ ممّا أوصى الشارع الكريم بمراعاة حقوقهنّ؛ قال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.
أُحَرِّج: يعني أُلحق الحرج والإثم بمن ضيع حق الضعيفين المرأة واليتيم.
وللجواب عن السؤال ينبغي أنْ أذكر المحاور الآتية:-
أولاً: لا شكّ أنّ الدنيا دار ابتلاء واختبار، قال الله العليم الغفار:-
{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [سورة تبارك: 2،1].
وأنّ الله تباركت أسماؤه سيجزي الصابرين المحتسبين أجراً عظيماً يفوق الحصر، قال سبحانه:-
{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزمر: 10].
وإنّ الله جلّ جلاله وعمّ نواله سيجزي بهذا البلاء وما يحمل في طياته من تكاليف خدمة المعاق والصبر عليه بالنسبة للزوج، ويُضاف إليه ما يتبعه من رضا الزوج بالنسبة للزوجة مقاماً عظيماً في الدنيا والآخرة، قال سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى الممجد.
ثانياً: ينبغي للزوج أنْ يعلم بأنّه ليس من لوازم عقد الزوجية خدمة الزوجة لأهل زوجها، لا أمّه ولا أخواته ولا غيرهنّ، كذا ولده المريض، وهذا ممّا لا ينبغي أنْ يُختلف فيه، إلا أنْ تتبرّع الزوجة بتلك الخدمة؛ احتساباً للأجر وبرّاً بزوجها؛ فيجب على الزوج أنْ يقف عند هذا الحكم الشرعي، ولا يطلب من الزوجة ما لا يلزمها شرعاً، وعليه أنْ يعلم أنّه لا طاعة له عليها لو أنّه أمر زوجته بخدمة أهله أو ولده؛ لأنّ أمره ذاك ليس من شرع الله جلّ في علاه، قال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
أمّا إنْ فعلت ذلك مختارة فلا شكّ أنّ هذا أمرٌ طيّب خاصة أنّ فيه كسباً لودِّ زوجها وتطييباً لخاطره، وسبباً من أسباب تفعيل المودة والرحمة التي أرادها الله تعالى بين الزوجين؛ قال الله تبارك اسمه:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
فلا ينبغي للزوج إكراه زوجته على ذلك، قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن: 16].
وقال الإمام ابن نجيم رحمه الله سبحانه الكريم:
(لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا طَاعَةُ الزَّوْجِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي أَمْرِهِ إضْرَارٌ بِهَا) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (5/77).
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (628) في هذا الموقع الميمون.
ثالثاً: يتوجّب على الزوج أنْ يقوم بواجبه تجاه ولده على نحو أكبر ليرفع الحِمل عن كاهل زوجته المباركة، فيمكن تنظيم الاهتمام بالولد وترتيب وضعه قبل الخروج إلى العمل، وذلك بأنْ يغسل له ويُلبسه ملابسه الداخلية الحافظة وما إلى غير ذلك ممّا يستطيع فعله، لتقوم الزوجة بعد ذلك برعايته بقيّة النّهار إلى حين عودته، فإنْ تعذّر ذلك على الزوجة بأنْ كان للولد متطلبات خاصّة وعناية فائقة ممّا يعود عليها بالمشقة ويلحقها ضرراً في الجانب الجسدي والنفسي، خصوصاً وأنّ هذا العمل يحرمها الإنجاب مرّة أخرى كما جاء في السؤال، وهذا ممّا لا يجوز قطعاً، فينبغي إذن أنْ يتعاون الزوجان على الاقتصاد في النفقات لكي يتمكّنا من استئجار ممرضة متخصصة في هذا المجال لتخفف عن الزوجة المباركة الصابرة طرف النّهار إلى أنْ يأتي زوجها من العمل فيشارك زوجته في هذا الجانب بقيّة اليوم.
رابعاً: ينبغي لجميع الأهل الإسهام في رفع معاناة هذه الأسرة كلٌّ بحسب ما يستطيع، وهذا الكلام يخصّ أهل الزوج والزوجة، فمساعدة هذه العائلة في الجانب المادي يعينهم كثيراً في تخفيف الأعباء التي يتحملونها، والقرآن الكريم والسُنّة المُشرّفة قد حوت عشرات النصوص التي تحثّ على التعاون والسعي في كشف كرب الآخرين، بَلْهَ الأبناء وذوي الأرحام، قال الرحيم الرحمن:-
{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى —} [سورة المائدة: 2].
وقال نبيّ الرحمة عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام:-
(المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وعلى أهل الزوج بعد أنْ تنصّلوا عن وعدهم برعاية حفيدهم أنْ لا يُقصّروا في دعم هذه العائلة في الجانب المادي والمعنوي ليتمكّنُوا من رعاية هذا الولد والحفاظ على كيان هذه الأسرة ومنعها من الانهيار والضياع.
ولأجل الاطلاع على خطورة التنصّل من العهود بشكل عام أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1710) في هذا الموقع الكريم.
خامساً: قد يكون وجود هذا المعاق سبباً للرزق والخير والبركة، فقد تخصّص الدولة راتباً له ولأمثاله، أو قد تُسهم بعض المؤسسات الخيرية في إعانة العوائل التي لديها مريض ذو احتياجات خاصة، وهكذا تأتي السعة والرزق عن طريق هذا المعاق المسكين.
كما قد يكون هذا المعاق موهوباً ومتفوّقاً على نحو ما؛ وأنّ الله جلّ وعلا بعد أنْ سلبه هذه النعمة عوّضه بِنِعَمٍ أخرى، وهذا ما شاهدناه في واقع الحياة، فقبل فترة وجيزة ودّعت الدنيا العالم الفيزيائي الشهير ستيفن ويليم وقد كان معاقاً عوقاً شديداً ومع هذا كان من أشهر العلماء في مجال اختصاصه؛ وعليه قد يكون هذا المعاق سبباً للفخر والرفعة لعائلته بأنْ يكون نابغة أو موهوباً في مجال ما، وما ذلك على الله تعالى بعزيز.
سادساً: أغلب المعاقين تكون أعمارهم قصيرة وهذه فرصة لخدمته ونيل الأجر الكبير بسببه، ووسيلة للتفكّر والتدبّر والدعاء وشكر الله جلّ في علاه الذي أنعم علينا بالصحة والعافية وسلبها من هذا الشخص المعاق، وممّا نؤجر عليه التشرّف بذكر الدعاء الذي وجّه به خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأوفياء حين نرى أهل البلاء:-
(مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ البَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه الولي.
وينبغي أنْ يتلفّظ المسلم بهذا الدعاء دون أنْ يُسمع صاحب البلاء حفاظاً على مشاعره، وبهذا فالمسلم في أجر دائم، وخير كثير، وموعظة عملية يومية.
سابعاً: لا ينبغي للوالدين منع الحمل بحجة عدم الاستطاعة لانشغال الزوجة بخدمة هذا المعاق، وأنّ هذه الخدمة قد تؤثر على الحمل القادم، ومن المعلوم أنّ هذا أمر مستقبلي في صفحة الغيب، ولا يجوز أنْ نبني الأمور على شيء غيبي، فمثلاً: إذا قيل لامرأة أنت حامل وجنينك مشوّه فلا يجوز لها أنْ تُسقط هذ الجنين، بل عليها أنْ ترضى بقضاء الله سبحانه وتصبر وتشكره جلّ شأنه، وقد تكون التقارير التي صرّح بها الأطباء غير صحيحة، وقد حصل هذا كثيراً، وممّا حدث واقعاً مشاهداً أنْ أجمع الأطباء في دولة ما أنَّ الجنين الذي تحمله إحدى النساء مشوهٌ تماماً لا ريب، فغدا حال تلك المرأة بائساً، فقال لها والدها: لِمَ هذا الحزن والبكاء، توكلي على الله تعالى، وأكثري من التضرّع والدعاء، وقولي في نفسك بأنّ ولدك سيخرج إلى الدنيا سليماً معافى، كامل الخِلقة جميلاً، وتصدّقي بهذه النيّة وأكثري من الاستغفار والصلاة والسلام على النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأخيار، وفعلاً ولدته بفضل الله تباركت أسماؤه تكسوه حُلة الجمال والعافية.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (272، 477) في هذا الموقع المبارك.
فإذا نظرنا إلى هذا الأمر بهذه الثقافة الإيجابية وبهذه النظرة الروحية سنجد الكثير من الطاقات ونستثمر الكثير من الإمكانيات والله عزّ وجلّ هو المُعين والمُيسر.
ولكي تتمّ الفائدة فهناك أمور تتعلّق بالسؤال يمكن بيانها في المحاور الآتية:-
أولاً: من حقّ الزوجة على زوجها أنْ يسكنها في مسكن مستقل، ولا يلزمها قبول السكن مع أحد من أهله.
قال الإمام أبو العباس الخلوتي رحمه الله سبحانه:-
[(وَلِلشَّرِيفَةِ) أَيْ ذَاتِ الْقَدْرِ: ضِدِّ الْوَضِيعَةِ، (الِامْتِنَاعُ مِنْ السُّكْنَى مَعَ أَقَارِبِهِ) وَلَوْ الْأَبَوَيْنِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهَا بِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى حَالِهَا وَالتَّكَلُّمِ فِيهَ] بلغة السالك لأقرب المسالك (2/737).
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (710) في هذا الموقع النافع.
ثانياً: القيام بتطبيب المريض ورعايته فرض كفاية، وأولى النّاس بذلك محارم المريض، والأجدر بذلك النّساء – كالأم، والبنت، والأخت، وبنات الإخوة، وزوجة الأب، وزوجة الابن، ونحوهنَّ ممّن يَحْرُمْنَ عليه على التأبيد-؛ لِمَا جُبِلْنَ عليه من الصبر ومزيد الحنو والرحمة والعطف.
ثالثاً: الأصل في عورة المعوَّق أنّه يُحرم النظر إليها ويحرم لمسها بدون حائل، ولذا فيجب سترها عند التنظيف وعدم النظر إليها، ويكون تنظيفها من وراء حائل كالقفازات، والتي لها فائدة إضافية مهمّة وهي عدم تلويث اليد بالنجاسة.
وإذا تطلّب النظر إلى عورته أو مسِّها فيباح ذلك لأنّها حاجة أو ضرورة كالطبيب إذا احتاج إلى النظر إلى عورة المريض أو مسّها، جاء في الموسوعة الفقهية:-
(لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ النَّظَرَ إِلَى عَوْرَةِ الْغَيْرِ حَرَامٌ مَا عَدَا نَظَرِ الزَّوْجَيْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلآْخَرِ، فَلاَ يَحِل لِمَنْ عَدَا هَؤُلاَءِ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةِ الآْخَرِ مَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ كَنَظَرِ الطَّبِيبِ الْمُعَالِجِ، وَمَنْ يَلِي خِدْمَةَ مَرِيضٍ أَوْ مَرِيضَةٍ فِي وُضُوءٍ أَوِ اسْتِنْجَاءٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَقَابِلَةٍ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ، كَضَرُورَةِ التَّدَاوِي وَالتَّمْرِيضِ وَغَيْرِهِمَا، إِذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَتَنْزِل الْحَاجَةُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ.
ثُمَّ النَّظَرُ مُقَيَّدٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ؛ لأِنَّ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا) الموسوعة الفقهية الكويتية (14/20).
رابعاً: نصيحة لكلّ أمّ لديها ولد معاق أنْ ترضى بقضاء الله تعالى وقدره ولا تفرّط في ولدها فهو بضعة منها، ولتعلم أنّ أجر رعاية هذا الولد تفوق أجر رعاية اليتيم لما في هذه الرعاية من المشقة الزائدة، ولعلّ الله عزّ وجلّ ابتلاها ليرفع درجتها عنده كما أسلفتُ بذكر الحديث الشريف أعلاه، فإذا صبرت واحتسبت حضانتها له فقد يرزقها الله تبارك في علاه الذريّة الطيّبة السليمة فيكون سبباً لسعادتها في الدنيا، ونجاتها وعلوّ مقامها في الآخرة.
خامساً: لا ينبغي للمسلم أنْ ييأس أو يجزع أمام البلاء؛ فالله جلّ وعلا قادر على كشفه ورفعه في طرفة عين، وعليه بالصبر وكثرة التضرّع والدعاء، قال الله سبحانه:-
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 83،84].
ولا ينبغي التفكير في الانتحار- نعوذ بالله تعالى من ذلك- فهو قتل للنفس التي أمر الحق سبحانه صيانتها وحفظها، قال عزّ شأنه:-
{— وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سورة النساء: 29].
كما لا ينبغي التفكير بالطلاق فهو هروب من قضاء الله جلّ جلاله، وصناعة مشاكل أخرى جديدة، فالطلاق يُتْمٌ للولد الثاني وتهديم للأسرة القائمة وتتبع ذلك مشاكل كثيرة أخرى.
أسال الله جلّ في علاه أنْ يعين أهل البلاء جميعاً، ويزرع فيهم قوّة الصبر ونعمة الرضا، ويخفّف عنهم، ويرزق جميع المرضى العافية التامّة، إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.
والله جلّت صفاته أعلم.
وصلّى الله تعالى على أكرم وأحنّ مخلوق، حضرة النبيّ العربي الشفيق، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه أهل الجود والتحقيق وسلّم تسليماً كثيراً.