2020-06-07
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
من المعلوم أنّ مَنْ قرأ آية فيها سجدة سجد حتى وإنْ كان في الصلاة، لكن إذا حصلت له نعمة وهو يصلّي، كأنْ يداهمه خطر فينجّيه الله تعالى منه، أو يشعر بخشوع وسكينة وطمأنينة لم يسبق له أنْ تذّوق مثلها من قبل فهل يجوز له السجود شكرا لله جلّ وعلا على ما أنعم وهو في الصلاة؟
الاسم: مصطفى عامر
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك.
وبعد: فإنّ مِنْ أسماء الله جلّ وعلا الحسنى الشاكر، والشكور، واسم الله تعالى (الشاكر) على وزن (فاعل)، وقد ورد في القرآن الكريم مرّتين؛ مرّة بلفظ (شاكرٌ) بالرفع، في قوله سبحانه:
{— وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 158].
ومرة بلفظ (شاكراً) بالنصب، في قوله جلّ جلاله:
{— وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} [سورة النساء: 147].
(والشكور) على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرّات في قوله عزّ وجلّ:
{لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [سورة فاطر:30].
وفي قوله:
{— إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [سورة فاطر: 34].
وقوله {— وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [سورة الشورى: 23].
وفي قوله {— وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [سورة التغابن: الآية 17].
ومعنى (الشاكر والشكور): الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل، ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، ويشكر العاملين ويزيد في جزاء الشاكرين.
ولقد أمر الله تعالى عباده بالشكر، فقال:
{بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [سورة الزمر: 66].
ووعد الشاكرين بعظيم الجزاء، فقال تبارك في علاه:
{— وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 145].
ذاك أنّ هذه العبادة العظيمة قليلٌ مَنْ يؤديها على وجهها الأمثل، قال سبحانه:
{— اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سورة سبأ: الآية 13].
ولقد كان سيّدنا النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أكثر الناس شكرا لله عزّ شأنه، فعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) الإمام مسلم رحمه الله المنعم سبحانه.
وللشكر صورٌ متنوعة منها سجدة الشكر، وصورتها: إذا بُشِّر المسلم بشيءٍ يسرّه: بولدٍ، أو فتحٍ للمسلمين، أو انتصار على عدوهم، أو شفاء مريض، أو قدوم غائب، أو اندفعت عنه نقمة، أو بغير هذا ممّا يسرّه، فقد استحب جمهور أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنْ يسجد سجدة شكراً لله عزّ وجلّ، ويقول: سبحان ربي الأعلى، ويدعو في السجود، ويحمد الله جلّ وعلا، ويُثني عليه على ما حصل من الخير؛ لأنّ سيّدنا النبيّ عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام كان إذا جاءه أمر يسرّه سجد لله تعالى شكرًا، فعَنْ سيّدنا سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ رضي الله سبحانه عنه قَالَ:
(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَرَا نَزَلَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا – ذَكَرَهُ أَحْمَدُ ثَلَاثًا – قَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخِرَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي) الإمام أَبُو داود رحمه الغفور الودود عزّ وجلّ.
وَقَوْلُهُ (عَزْوَرَا) مَوْضِعٌ أَوْ مَاءٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ وَقِيلَ ثَنِيَّةُ الْمَدِينَتَيْنِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ وَقِيلَ هِيَ ثَنِيَّةُ الْجُحْفَةِ عَلَيْهَا الطَّرِيقُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. عون المعبود (7/328).
وعن سيّدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال:
(خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَقَتِهِ فَدَخَلَ (أي دَخَلَ المَكَانَ الّذِي تَكُوْنُ فِيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ)، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَخَرَّ سَاجِدًا، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ سَجَدْتَ سَجْدَةً خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَبَضَ نَفْسَكَ فِيهَا، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَتَانِي فَبَشَّرَنِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شُكْرًا) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد سبحانه.
وعن سيّدنا البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال:
(إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (إلَى اليَمَنِ) — فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ جَمِيعًا، فَكَتَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ) الإمام البيهقي رحمه الله الوليّ جلّ جلاله.
وهكذا كان دأب الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم فلقد سجد سيدنا أبو بكر رضي الله جلّ وعلا عنه حينما جاءه خبر قتل مسيلمة الكذاب، وأنّ سيدنا عمر رضي الله سبحانه عنه سجد شكرا لله تعالى حينما أتاه فتحٌ من قبل اليمامة، وهكذا سجد سيّدنا عليّ رضي الله عزّ وجلّ عنه حين وجد ذا الثدية بين قتلى الخوارج.
وهناك خلاف بين العلماء رضي الله تعالى عنهم في اشتراط الوضوء لسجدة الشكر، ولكلّ فريق أدلته المعتبرة الموجودة في مظانّها، وكذا فقد اختلفوا في جواز سجود الشكر في الصلاة على الهيئة التي ذكرها جنابكم في السؤال، فمنعها بعضهم وأجازها بعضهم، وقد أجازها بعض المالكية رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وقاسوا سجود الشكر على سجود التلاوة، وهذا الرأي يميل إليه القلب إذ إنّه تفاعل فوريٌ مع عطاء الله جلّ وعلا ونعمته التي حلّت، وتجسيدٌ للهدايات الداعية للشكر والتذلل بين يدي المنعم جلّ جلاله وعمّ نواله، إلا أنّه ينبغي أنْ يكون ذلك خارج صلاة الجماعة؛ فالمرء بين أنْ يكون مأموماً أو إماماً في صلاة الجماعة، فإذا كان مأموماً فينبغي عليه متابعة إمامه، وإذا كان إماماً فيُخشى أنْ يُربك مَنْ خلفه.
واللهَ سبحانه أسألُ أنْ يُديم على المسلمين جميعاً أفراحهم ويُزيل أتراحهم ويوفقهم للشكر بكلّ صوره إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
والله جلّت قدرته أحكم وأعلم.
وصلى الله تعالى وسلّم وبارك على خير مَنْ عبد وشكر، وحجّ واعتمر، سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه الغرر، ومَنْ سار على نهجهم واقتفى الأثر.