2020-06-08
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
حضرة الشيخ جزاكم اللّه خير الجزاء ومتّعنا بأنواركم وعلومكم ونفعنا بتوجهاتكم الكريمة دائماً.. اللهَ تعالى أسأل لكم دوام العافية والصحة والسلامة والحفظ وأنْ يجعلكم مولانا جلّ في علاه ذخراً للأمّة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام..
سؤالي حضرة شيخنا رعاكم الله عزّ وجلّ عن الحوار الذي دار بين سيّدنا وحبيبنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وبين سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام في ليلة معراج سيّد الكائنات صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في التخفيف من عدد الصلوات المفروضة من خمسين صلاة إلى خمس صلواتٍ، فلماذا سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام هو الذي يقول له ارجع إلى ربّك تبارك وتعالى واسأله التخفيف ولم يرجع هو من ذاته الشريفة فداه روحي عليه أزكى وأنمى الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه أجمعين؟
 
الاسم: سائل
 
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاكم الله عزّ وجلّ خيرا على دعواتكم المباركة.
قال العلي الأعلى سبحانه:-
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [سورة النجم:17].
وقالَ سيّدنا عبدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما:-
(مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا {وَمَا طَغَى} مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ) تفسير الإمام ابن كثير رحمه ربّنا الكبير (7/454).
فالسؤال يتحدّث عمّا ورد في حديث الإسراء والمعراج وفيه:-
(ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) الإمام البخاري رحمه ربّنا الباري جلّ جلاله.
وأحبّ أنْ أبيّن نقطتين تتعلق بهذه الأسئلة وأمثالها:-
الأولى:- أنّها لا ينبني عليها أي تكليف عملي.
الثانية:- لن يستطيع المسلم أنْ يتبيّن الحكمة بشكل كامل أو قطعي، وأنّى له ذلك، والمقام مقام ختم النبوة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم الذي لا يعلم ما بينه وبين ربّه جلّ وعلا إلّا عالم السرّ وأخفى، إذ الكلام في مقامات لا تدانيها الأوهام ولا تحيط بها الأفهام.
قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى:-
وَبِتَّ تَرْقَى إِلَى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً *** مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تَـرُمِ
ولكن لا بأس بمعرفة بعض أسرارها وأنوراها مستهدين في ذلك بهدايات القرآن الكريم بما يتناسب مع مقام خير الأنام ومصباح الظلام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فأقول وبالله تعالى التوفيق ومنه المدد والعون:-
لقد دعا القدّوس جلّت عظمته حضرة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه إلى ضيافته في رحلة الإسراء والمعراج، ولكلّ ضيف قِرًى، وكانت الصلاة هي نُزُلُ هذه الضيافة، والضيف لا يردّ على المزور نُزُلَهُ وَقِرَاهُ.
والآية الكريمة المصدّر بها الجواب تبيّن أنّه من كمال أدب وقوّة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، لم ينشغل هناك إلّا بربّه تباركت ذاته مع كمال التسليم والتفويض للملك العلّام جلّ جلاله وعمّ نواله.
وعندما مرّ صلّى الله تعالى عليه وآله صحبه وسلّم على السماء السابعة، وفيها سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكلّمه، قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه عظيم القدرة تبارك اسمه:-
(والحكمة في كون الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآله وصحبه أجمعين، في طلب التخفيف أنّ مقام الخلة إنّما هو الرضا والتسليم، والكلام في هذا الشأن ينافي ذلك المقام، وموسى هو الكليم، والكليم أعطى الإدلال والانبساط) سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد (3/146).
فحضرة النبيّ المعصوم صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته، لمّا كان في الحضرة الإلهية كان في كمال الأدب والتسليم، ولما ورد عليه حال الإشفاق على أمّته بمشاورة سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام بادر إلى طلب التخفيف عنهم ولم ينظر لغير ذلك، ثمّ لمّا ورد عليه حال الحياء من الله جلّ في علاه لم يلتفت لأمّته إذ ذاك ولا طلب شيئا.
وكما يقال: الحال حامل لا محمول، فأعطى لكلّ مقام حقّه ولكلّ حال مستحقه.
أمّا تخصيص سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم حِكَمًا كثيرة منها:-
1- قال الإمام القرطبي رحمه ربّنا الغنيّ سبحانه:-
(الحكمة في تخصيص سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام بمراجعة النبيّ صلّى الله عليه وصحبه وسلّم في أمر الصلاة، لعلّها لكون أمة سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام كُلّفت من الصلوات ما لم يكلَّف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم فأشفق سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام على أمّة سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام وعلى آله الكرام من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قول سيّدنا موسى:- (إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ)).
2- ليس في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَنْ له أتباع أكثر من سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام، ولا مَنْ له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهيًا للنَّبِيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فناسب أنْ يتمنّى أنْ يكون له مثل ما أنعم به عليه من غير أنْ يريد زواله عنه، وناسب أنْ يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به.
3- إنّ سيّدنا موسى عليه السلام لمّا غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ أمّته بالنسبة لأمّة سيّدنا محمد صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والمجد، حتى تمنّى ما تمنّى أنْ يكون منهم، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم ليزيل ما عساه أنْ يتوهّم عليه ممّا وقع منه في الابتداء.
يقول الإمام السهيلي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وأمّا اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمّة وإلحاحه على نبيّها أنْ يشفع لها ويسأل التخفيف عنها فلقوله- والله أعلم- حين قضي إليه الأمر بجانب الغربيّ ورأى صفات أمّة محمّد عليه السلام في الألواح وجعل يقول: إنّي أجد في الألواح أمّة صفتهم كذا: اللهمّ اجعلهم أمّتي. فيقال له: تلك أمّة محمّد، قال: اللهمّ اجعلني من أمّة محمد، وهو حديث مشهور في التفاسير. فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم يعتني بالقوم من هو منهم لقوله: اللهمّ اجعلني منهم
ولمزيد الفائدة ينظر كتاب: سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد للإمام الشامي عليه رحمه ربّنا العلام (3/147) وما بعدها.
وصلّى الله تعالى على حبيبه المقرّب سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
والله جلّت ذاته وعظمت صفاته أعلم.