2020-06-10
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم
أسأل الله تعالى أنْ تكونوا بصحة وعافية، وأنْ يحفظكم لنا وللعالم أجمع، وأنْ يرحمنا ربنا سبحانه وتعالى بكم سيدي.
سيّدي كما تعلمون ما يمرّ به العالم أجمع من حلول هذا البلاء والوباء نسأل الله تعالى بجاهكم أنْ يرفعه الله تعالى عنّا وعن العالم أجمعين، وكما تعلمون سيّدي رضي الله تعالى عنكم أغلب المساجد مغلقة لا تقام فيها صلاة الجماعة فقط الأذان فسؤال خويدمكم سيّدي كيف يكون رفع الأذان؟ هل يرفع كاملا أم لا؟ أو هل هنالك صيغة معينة للأذان؟ وجزاكم الله تعالى عنا سيدي كل خير
الاسم: يوسف
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خير الجزاء على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، وتحرّيك الشرع الشريف في خضمّ هذه الأحداث.
لقد أثارت صيغة الأذان الجديدة بسبب كورونا، جدلًا كبيرًا بين الناس، حيث يقول المؤذن: صلّوا في بيوتكم، أو رحالكم، بدلًا من حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح.
وهذا يستلزم توضيح هذه المسألة وبيان ورودها:-
فقد جاءت السنّة المطهرّة بتخيير المؤذّن، فإمّا أنْ يقول هذا القول بعد تمام الأذان، وإمّا أنْ يقوله بدلا من قوله: “حيّ على الصلاة”، فعن سيّدنا نافع رضي الله تعالى عنه قال:-
(أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وضَجْنَان: جبلٌ قريب من مكّة.
والرِحَال: الدور والمنازل والمساكن.
ففي قوله: ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: “أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ”، دليل على أنّها تقال بعد الأذان، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عزّ وجلّ:-
(صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ) فتح الباري (2/113).
وورد حديث شريف صريح في أنّ قول: “صلّوا في الرحال” يقال بدلًا من “حيّ على الصلاة”، فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ:-
(إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟!، قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ (واجبة متحتمة)، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ (الزّلق)) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
إذًا: الأمران جائزان، نصّ عليهما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذ قال:-
(وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِهَذَا إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِهِ وَإِنْ قَالَهُ فِي أَذَانِهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِمَا يُشْبِهُ هَذَا خَلْفَ الْأَذَانِ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ بِمَا لَيْسَتْ فِيهِ لِلنَّاسِ مَنْفَعَةٌ وَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يُعِدْ أَذَانًا وَكَذَلِكَ إذَا تَكَلَّمَ فِي الْإِقَامَةِ كَرِهْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ إقَامَةٍ) الأم (1/108).
وهذا أحسن ما قيل وأيّده الأزهر الشريف في زماننا وفي أحوالنا التي نمرّ بها ولك أخي السائل الكريم الاختيار فالشرع الأغرّ رحب شرط عدم الشحناء والبغضاء ما دام الأمر مشروعا وواردا.
لكن قد يعترينا في هذه الحالة سؤال وهو:-
حكم الأذان للصلاة؟
فقد اتفق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ الأذان من خصائص الإسلام وشعائره وهو الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، ولابدّ أنْ يُعلم أنّ الأذان ليس من أركان الصلاة، ولا من شروط صحّتها، وإنّما يشترط دخول وقت الصلاة بالإضافة إلى شروط أخرى.
أمّا الأذان فهو مشروع للإعلام بدخول الوقت كشعيرة إسلامية مستقلة، وقد تعددت آراء الفقهاء رحمهم الله جلّ وعلا في حكم شعيرة الأذان على مذهبين في الجملة:-
1- رأي الجمهور على أنّ الأذان فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو المشهور عند السادة المالكية والحنابلة وإليه ذهب بعض السادة الحنفية والشافعية رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
2- ذهب السادة الحنفية والشافعية في الأصح عندهم، وبعض السادة المالكية والحنابلة رضي الله سبحانه عنهم وعنكم، أنّه سنّة مؤكّدة وليس فرضا ولا واجبا على الكفاية، وأدلة ذلك كلّه موجودة في كتب الفقه فليراجعها مَن أراد الاستزادة.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.
والله تبارك اسمه أعلم.