2020-06-10
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 سيّدي وتاج رأسي وقرّة عيني حضرة الشيخ سعد الله، أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يسعدكم في الدنيا والآخرة ويسعدنا بكم في الدنيا والآخرة وأنْ يجعل ملتقانا جميعاً عند خاتم الأنبياء والمرسلين خير خلق الله ورحمته سيّدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
السؤال: ما حكم لعبة البوبجي لاسيما انه ظهرت بعض الفتاوى بتحريمها وفي نفس الوقت نرى إقبال الشباب على هذه اللعبة لتقضية أوقات الفراغ وهي كذلك أصبحت شبه حديث على الألسنة بين مجوّز لها ومحرم لها.
جزاكم الله عنّا وعن المسلمين كلّ خير.
 
الاسم: أبو يوسف
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يسعدكم في الدارين ويلمّ شملنا ويجمعنا مع حبيبنا، شافي العلل ومفرج الكروب، سيّدنا محمد صلوات ربّي وسلامه عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب.
إنّ هذا الدين العظيم شرع لنا الترويح عن النفس باللعب المباح، فَعَنْ سَيِّدِنَا أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ فَرَحًا بِقُدُومِهِ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
وعَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:-
(لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.
فالأصل في اللعب، الإباحة، وقد ذكر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في ذلك بعض الشروط، منها:-
1- أنْ لا يشغل عن تأخير أداء واجب شرعي، كالصلاة مثلا.
2- لا يؤدّي إلى إحداث خلافات وخصومات ومنازعات، فإنْ كان ذلك أصبح حراما.
3- لا يتسبب في إيذاء الإنسان لنفسه، فقد قال سيّد الخلق وحبيب الحقّ صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والذوق:-
(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ ذكره.
وأرجو هنا مراجعة المشاركة المرقمة (158) في هذا الموقع المبارك.
4- أنْ يخلو من كلّ ما حرمّته الشريعة الغرّاء.
5- عدم الإكثار منه، فإنّ فِعْلَ ذلك يُعَدُّ تضييعا للوقت، وقد قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) الإمام النسائي رحمه الله سبحانه.
وقال:-
(نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
فالواجب أنْ تقضى الأوقات في طاعة ربّ الأرض والسموات جلّ جلاله، وهذا اللعب ينبغي أنْ يكون لترويح النفس حتى تستعيد نشاطها فتقوى على مزيد من الطاعة، لا التمادي فيه إلى حدّ الإدمان.
قال الشيخ ابن القيّم رحمه الله تعالى:-
(إِضَاعَة الْوَقْت أَشد من الْمَوْت لِأَنّ إِضَاعَة الْوَقْت تقطعك عَن الله وَالدَّار الْآخِرَة وَالْمَوْت يقطعك عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا) الفوائد ص31.
وصدق مَنْ قال:-
الـوَقْـتُ أَغْـلَى مِنَ اليَـاقُــوْتِ وَالذَّهَـبِ *** وَنَـحْـنُ نَـخْـسَـرُهُ فِـي اللَّهْـوِ وَاللَّعِبِ
وَسَــوْفَ نُـسْـأَلُ عَـنْـهُ عِـنْـدَ خَـالِـقِــنَـا *** يَوْمَ الحِسَـابِ بِذَاكَ المَـوْقِـفِ النّشِـبِ
نَـلْـهُـــوْ وَنَــلْـعَــبُ وَالأيَّـــــامُ مُـدْبِــرةٌ *** تَجْرِيْ سِرَاعًا تُجِدُّ السَّـيْرَ فِي الهَرَبِ
وَالفَـوْتُ مُـقْـتَـرِبٌ وَالـمَوْتُ مُـرْتَـقِـبٌ *** وَالـحَـالُ مُـنْـقَـلِـبٌ وَالنَّـاسُ فِي لَـعِـبِ
وَقَـدْ نَـسِـيْـنَـا مِـنَ الأَيَّــامِ أَطْــوَلَــهَـــا *** يَوْمَ الحِسَابِ وَيَـوْمَ العَرْضِ وَالكُرَبِ
خَـمْـسُـوْنَ أَلْـفًـا مِنَ الأَعْـوَامِ يَـعْـدِلُـهَا *** مِـمَّـا نَـعُــدُّ مِـنَ الأيَّـــامِ وَالـحِـقَــــبِ
وَالشَّمْسُ فَوْقَ رُؤُوْسِ النَّاسِ تَحْرِقُهُمْ *** وَلَـيْـسَ يَحْجُـبُهَا شَــيْءٌ مِـنَ الحُـجُـبِ
وَالنَّــــارُ مُــوْقَـــدَةٌ وَاللهُ أَوْقَــــدَهَـــــا *** وَقُـوْدُهَـا النَّاسُ لَـمْ تُـوْقَـدْ مِنَ الحَطَبِ
فَـاعْـمَلْ لِـنَـفْسِكَ وَأْمَلْ فِي السَّلَامَةِ لَا *** تَرْكَنْ إِلَى النَّـوْمِ أَوْ تَـشْـكُـوْ مِنَ التَّعَبِ
فَإِنَّـمَـا أَنْـتَ مَـجْـزِيٌّ بِـمَـا عَــمِــلَـــتْ *** يَـدَاكَ فَاعْـمَـلْ لَهَا فِي رِفْـعَـةِ الـرُّتَـبِ
والخلاصة:
إذا كانت هذه اللعبة تتحقق فيها الشروط التي سبق ذكرها فهي مباحة، وإلا تكون مكروهة أو محرّمة.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1866، 2377) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تبارك اسمه أعلم.