2020-06-10
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي وقرّة عيني حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنك وجزاك الله تعالى عنّا خير الجزاء وبموقعكم المبارك الذي كلّه عطاء في خدمة الإسلام والمسلمين.
سؤالي/ هل يجوز للنساء المسلمات بلباس البنطلون الذي يعتبر زي الرجال؟ وإذا لا يجوز كيف نستطيع إقناعهم بذلك؟ وجزاكم الله تعالى خير الجزاء عنّا وعن جميع المسلمين.
خادمكم الصغير/ عمر طارق
الاسم: عمر طارق
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك كثيرا على تواصلك الطيّب، ودعواتك الكريمة، أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خير، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه سميع مجيب.
من المعلوم أنّ الحجاب فرضٌ على المرأة، ولا يعارض ذلك إلا الجاحد والمكابر المعاند، لكنّ الحجاب عند بعض النساء في هذا الزمان قد تغيّر مفهومه ومعناه عمّا كان عليه في السابق، فإذا سألتَ عن سبب هذا التغيير، يأتيك الجواب: أنّ الزمن قد تغيّر، وهذا التبرير غير صحيح وهو من هوى النفس الأمّارة بالسوء وتزيين شياطين الإنس والجنّ.
فالمرأة اليوم -ولا أعني الجميع طبعا- ترى أنّ الحجاب يعني وضْعَ قطعةٍ من القماش على رأسها فَحَسْب، حتى لو ظهر شيءٌ من شعرها.
وهذا ليس حجابا وإنّما موضة جاءتنا من الخارج لتشويه صورة الحجاب.
وبعض النساء تغطّي شعرها فقط دون رقبتها، وهذا كلّه مخالف للنصّ الصريح الثابت في القرآن الكريم، قال تعالى:-
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ —} [الأحزاب: 59].
وقال:-
{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ —} [النور: 31].
أي صدورهنّ.
والبعض الآخر من النساء يَرَيْنَ أنَّ الحجاب سترُ الجَسَدِ كيفما كان، فالمهمّ أنْ يكون اللّباس الذي ترتديه لا يُظهر شيئًا من بَشَرَتِهَا عدا الوجه والكفين، لهذا أخذتْ لا تبالي بلبس البنطال بحُجَّة أنّه يستر بَشَرَتَهَا ولا يُبدي شيئًا منها، وتَعُدُّ ذلك حِجَابًا، فهل هذا المفهوم صحيح ويتوافق مع ما جاءت به النصوص الشريفة؟
الجواب: لا، فالحجاب في الإسلام له ضوابطه وشروطه، ومن أهمّها أنْ يكون واسعا فضفاضًا، وأنْ يكون ثخينًا لا يشفّ ما تحته.
وأغلبُ ألبسةِ النِّسَاءِ اليوم لا تتوافق مع هذه الشروط، ناهيك عن التزيّن والتجمّل والتبرّج بكلّ أشكاله وأنواعه، والله جلّ وعلا يقول:-
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى —} [الأحزاب: 33].
ولقد حذّر سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام النساءَ أنْ يَرْتَدِيْنَ من الثياب ما خالف الشروطَ التي ذكرتُهَا فَقَالَ:-
(صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وفسَّر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم الكاسيات العاريات:-
(مَعْنَاهُ تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا وَتَكْشِفُ بَعْضَهُ إِظْهَارًا بِحَالِهَا أوْ تَلْبَسُ ثَوْبًا رَقِيقًا يَصِفُ لَوْنَ بَدَنِهَا، وَالمَائِلَاتٌ اللّائِي يَمْشِينَ مُتَبَخْتِرَاتٍ، مُمِيلَاتٍ لِأَكْتَافِهِنَّ، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ يَمْشُطْنَ الْمِشْطَةَ الْمَائِلَةَ وَهِيَ مِشْطَةُ الْبَغَايَا مُمِيلَاتٌ يَمْشُطْنَ غَيْرِهِنَّ تِلْكَ المَشْطَةِ. وَمَعْنَى رُؤُوْسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ أَنْ يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَةٍ أَوْ عِصَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) شرح النووي على مسلم رحمهما الله تعالى (14/ 110).
وبالتالي فإنّ لِبْسَ البنطال إذا كان ضيّقًا أو قصيرا أو يَصِفُ ما تَحْتَه، لا يجوز لأنّه يثيرُ الشهوةَ ويُؤدِّي إلى الفتنة.
أمّا إذا كان واسعا فَضْفَاضًا تتحقق فيه شروط الستر مع عدم الوَصْفِ، فجائزٌ ولا شيءَ فيه.
وقد كان النساء في عصر السعادة إذا خرجنَ ارْتَدَيْنَ الثياب الثخينة الفضفاضة وَلَبِسْنَ تحتها السراويل زيادة منهنّ في الستر، حتى إذا عثرت إحداهنّ أو سقطت لا يَظهر شيءٌ من جسدها، وهذا من حرصهنّ وتقواهنَّ لذا فُزْنَ بدعوة سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَرَّتِ امْرَأَةٌ عَلَى دَابَّةٍ، فَلَمَّا حَاذَتْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَثَرَتْ بِهَا، فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَكَشَّفَتْ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْهَا سَرَاوِيلَ، فَقَالَ: رَحِمَ اللهُ الْمُتَسَرْوِلَاتِ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
فالبنطال الواسع الفضفاض كان يُلبس في زمن السعادة تحت الثياب زيادة في التحصّن والتعفّف وعدم الكشف عن المفاتن، واليوم يُلبس لوحده وفيه من المفاتن ما لا يعد ولا يُحصى لونًا وتفصيلًا، قِصَرًا وَضِيْقًا.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (375، 420، 1740) في هذا الموقع الكريم.
وعليك إقناعها بالكلمة الطيّبة، والموعظة الحسنة، مع صدق النيّة وإخلاص العمل لله جلّ في علاه فهو القائل في كتابه العزيز:-
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].
وأوصى سيّدنا موسى وسيّدنا هارون عليهما السلام أنْ يتكّلما مع فرعون باللين فقال:-
{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].
وذكّر بين فترة وأخرى، فإنّ الذكرى تنفع بإذن الله جلّ وعلا، فهو القائل سبحانه:-
{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].
وقال:-
{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9].
أسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يهدي نساء المسلمين لما فيه العفاف والستر إنّه سبحانه لا يخيّب رجاء السائلين.
والله جلّت صفاته أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.