2020-06-11

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وجزاكم الله خيراً على هذا الموقع المبارك وأسأل الله أن يحميه ويحميكم من كلّ سوء سيّدي سؤالي أنني كنت في سيارة أجرة وإذا بِرَجُلين يتجادلان وأنا أسمع كلامهما وليست عندي المعلومة الكافية لردهما وكانا يتجادلان الأول يقول (الله موجود في كلّ مكان حتى في السيارة معنا الآن) والآخر يقول (الله موجود في السماء فقط) فأرجو أنْ تنورونا بعلمكم سيّدي وأدامكم الله تعالى.

الاسم: خالد محمد

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكرك على دعواتك الطيّبة الصادقة وأسأله جلّ وعلا أنْ يحفظكم ويرعاكم وجميع المسلمين إنّه سبحانه قريب مجيب. وبعد:-
أوّلا:- أودّ أنْ أنبّه جنابك أنَّ مثل هذه الأمور ليس من الضروري الخوض والتدقيق فيها والتمسّك بها لدرجة وقوع الجدال بين المسلمين الذي نهوا عنه، قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ ذكره.
فالعبد لن يُسأل يوم القيامة عن ذلك لأنَّه غير مكلّف به بقدر ما هو مأمور أنْ يكون على علم بالله ومعرفته والتقرّب منه سبحانه، فهذا هو أجلّ العلوم وأعلاها، وأرفعها عنده عزّ وجلّ وأزكاها، كيف لا وهو الذي يعرّف العباد بخالقهم، ويقرّبهم من رازقهم، ويضفي على حياتهم معنى، وعلى وجودهم فائدة وهدفاً.
إذن ينبغي على العبد قبل سؤاله أين الله سبحانه، أنْ يسأل نفسه أين هو من الله جلّ شأنه؟
وعليه أنْ يتفكّر في دلائل قدرته جلّ جلاله وآيات عظمته فيزداد إيمانا به، وقربا منه جلّ جلاله، لا أنْ يتطرّق ذهنه إلى التفكير في ذات الله تقدّس اسمه بما يقتضي الهيئة والصورة، فهذا خطر كبير يفضي إلى تشبيه الله عزّ شأنه بخلقه.
ثانيا:- لا يصحّ القول بـ [أين الله] لأنَّ الله عزّ وجلّ منزّه عن ذلك، ولقد ذكر الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى في تفسيره ما نصّه:-
(لقد وجدنا مَنْ قال: أين يوجد الله؟! {متى وجد؟} {وقلنا ونقول: «متى» و «أين» لا تأتي بالنسبة لله، إنّها تأتي بالنسبة لكم أنتم، لماذا؟ لأنّ «متى» زمان، و «أين» مكان. والزمان والمكان ظرفان للحدث، فالشيء الحادث هو الذي له زمان ومكان، مثال ذلك أنْ أقول: «أنا شربت» ومادام قد حدث الشرب فيكون له زمان ومكان، لكن هب أنني لم أشرب، أيكون هناك زمان أو مكان؟ لا، فمادام الله ليس حدثاً فليس متعلقاً به زمان أو مكان، لأنّ الزمان والمكان نشأ عندما خلق الله وأحدث هذا الكون، فلا تقل: «متى» لأنّ «متى» خُلِقَت به، ولا تقل «أين» لأنّ أين خُلِقَت به، ولأنّ «متى» و «أين» ظرفان؛ هذه للزمان، وهذه للمكان، والزمان والمكان فرعا الحديث. وعندما يوجد حدث فقل زمان ومكان. إذن فما دام الله ليس حدثاً، فإيّاك أنْ تقول فيه متى، وإيّاك أنْ تقول فيه أين، لأنّ «متى» و «أين» وليدة الحدث) انتهى.
فمن ثوابت العقيدة عند المسلمين أنَّ الله جلتّ قدرته لا يحويه مكان ولا يحدّه زمان، لأنَّ المكان والزمان مخلوقان، وتعالى الله أنْ يحيط به شيء من خلقه، فهو خالق كلّ شيء، وهو المحيط بكلّ شيء، ولقد عبّر عن ذلك الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بالقول:-
(كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ المَكَانِ؛ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ).
وَقَالَ الإمام جَعْفَر الصَّادِق رَضِي الله سبحانه عَنهُ:-
(مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ فِي شَيْءٍ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ، أَوَ عَلَى شَيْءٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ لَكَانَ مَحْصُوْرًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ لَكَانَ مَحْمُوْلًا، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ لَكَانَ مُحْدَثًا) طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي رحمه الله جلّ جلاله.
وكما قيل لسيّدنا يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ رحمه الله جلّ في علاه:-
أخْبِرْنَا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ:-
(إِلَه وَاحِد، فَقيل لَهُ: كَيفَ هُوَ؟ فَقَالَ: مَالكٌ قَادِرٌ، فَقيل لَهُ: أَيْن هُوَ؟ فَقَالَ: بِالمِرْصَادِ، فَقَالَ السَّائِلُ لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: مَا كَانَ غَيْرَ هَذَا كَانَ صِفَةَ الْمَخْلُوْقِ، فَأَمَّا صِفَتُهُ فَمَا أَخْبَرْتُ عَنْهُ) طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي رحمه الله سبحانه.
وأمّا سؤال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم للجارية كما عند الإمام مسلم رحمه المنعم تقدّس اسمه حين قَالَ لَهَا:-
(أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهَا: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ).
كان ذلك في إثبات إيمانها لا إثبات الجهة والمكان لله سبحانه، بدليل سؤاله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام عن نفسه (مَنْ أَنَا)؟
وَأمّا إشارتها للسماء فلأنّها قبلة الدعاء كما أنَّ الكعبة قبلة الصلاة، ولأنَّ جهة العلوّ هي أشرف الجهات، لا أنَّ الله جلّ وعلا محصور فيها، حاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال الإمام النووي رحمه الله عزّ جاره في شرحه للحديث ما نصّه:-
(كَانَ الْمُرَادُ امْتِحَانَهَا هَلْ هِيَ مُوَحِّدَةٌ تُقِرُّ بِأَنَّ الْخَالِقَ الْمُدَبِّرَ الْفَعَّالَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي اسْتَقْبَلَ السَّمَاءَ كَمَا إِذَا صَلَّى الْمُصَلِّي اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي السَّمَاءِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ، بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدَّاعِينَ كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الْمُصَلِّينَ، أَوْ هِيَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الْعَابِدِينَ لِلْأَوْثَانِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَلَمَّا قَالَتْ فِي السَّمَاءِ عَلِمَ أَنَّهَا مُوَحِّدَةٌ وَلَيْسَتْ عَابِدَةً لِلْأَوْثَانِ) شرح النووي على مسلم (5/24).
خلاصة الأمر:-
وعليه فمَنْ قَال إنَّ الله جلّت صفاته في السماء فينبغي أنْ يُحمل قوله على معنى أنَّ اللهَ جلّ ذكره له صفة العلو المطلق في المكانة على خلقه؛ لأنَّ الله تعالى منزّه عن الحلول في الأماكن، فهو سبحانه بكلّ شيء محيط، ولا يحيط به شيء.
أمّا مَنْ يعتقد أنَّ الله جلّ جلاله في السماء بمعنى أنّها تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا أمر لا يجوز اعتقاده.
وكذا يُقال فيمَنْ قال: إنَّ الله سبحانه في كلّ مكان فإنَّه يُحمل على إحاطته جلّ وعلا بكلّ شيء، لا أنْ يحلَّ في الشيء والعياذ بالله تعالى كما يصوّره البعض جهلا.
قال عزّ من قائل:-
{— أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54].
وقال:-
{— وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].
قال الإمام الغزالي رحمه الباري تقدّس اسمه:-
(— ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنّه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ وَلَا تَكْتَنِفُهُ الْأَرَضُونَ ولا السموات وَأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وَهُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى تُخُومِ الثَّرَى فَوْقِيَّةً لَا تَزِيدُهُ قُرْبًا إِلَى الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ كَمَا لَا تَزِيدُهُ بُعْدًا عَنِ الْأَرْضِ وَالثَّرَى بَلْ هُوَ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ عَنِ الْعَرْشِ وَالسَّمَاءِ كَمَا أَنَّهُ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ عَنِ الْأَرْضِ وَالثَّرَى وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَبْدِ من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إِذْ لَا يُمَاثِلُ قُرْبُهُ قُرْبَ الْأَجْسَامِ كَمَا لَا تُمَاثِلُ ذَاتُهُ ذَاتَ الْأَجْسَامِ وَأَنَّهُ لَا يَحُلُّ فِي شَيْءٍ وَلَا يَحُلُّ فِيهِ شَيْءٌ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ كَمَا تَقَدَّسَ عَنْ أَنْ يَحُدَّهُ زَمَانٌ بَلْ كَانَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ وَهُوَ الْآنَ عَلَى ما عليه كان —) إحياء علوم الدين (1/90).
ورحم الله تعالى القائل:-
إِلَهٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَا قَدِ اسْـتَـوَى *** وَبَـايَـنَ مَـخْـلُــوْقَـاتِـهِ وَتَـوَحَّـدَا
فَـلَا جِـهَـةٌ تَحْـوِي الإِلَـهِ وَلَا لَـــهُ *** مَكَانٌ تَعَالَى عَـنْـهُـمَا وَتَـمَـجَّـدَا
إِذِ الكَـوْنُ مَخْـلُـوْقٌ وَرَبِّي خَـالِـقٌ *** لَقَدْ كَانَ قَـبْـلَ الكَوْنِ رَبًّا وَسَيِّدَا
وَلَا حَلَّ فِي شَيْءٍ تَعَالَى وَلَمْ يَزَلْ *** غَـنِـيًّـا حَمِيْدًا دَائِمَ العِـزِّ سَرْمَدَا
وَلَـيْـسَ كَـمِـثْـلِ اللهِ شَيْءٌ وَلَا لَــهُ *** شَـبِـيْـهٌ تَــعَـالَـى رَبُّـنَا أَنْ يُحَدَّدَا

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين
والله جلّت قدرته أعلم.