2020-06-11
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي أسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من أنواركم وعلومكم، ولديَّ سؤال وددتُ أن تنوروني ببيان معناه، وهو وأنا أقرأ القرآن الكريم لفت انتباهي أنّ الله تعالى عندما ذكر الأنبياء على نبيّنا وعليهم أفضل الصلاة والسلام كما في سورة الشعراء ١٤٥ قال (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (وما أسألكم عليه من أجرٍ إنْ أجري إلا على رب العالمين) وعندما يذكر سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام يقول سبحانه في سورة الفرقان بعد (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) وقال سبحانه وتعالى في سورة الشورى الآية ٢٣ (ذلك الذي يبشّر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) فهل في هذه الآيات بيان خاص لسيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وسلّم؟ وما المقصود منه إنْ وجد؟ وأدامكم الله تعالى لنا وللناس أجمعين.
الاسم: أحمد أبو عبد الله
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأسأل الله جلّ في علاه أنْ ينوّرنا وأيّاكم بأنوار القرآن العظيم، ويلقي في قلوبنا وعقولنا من أسراره ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، إنّه سبحانه هو الكريم المنان.
لقد كانت دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعوة خالصة لله تبارك اسمه خالية من أي شوائب مادية ومنافع دنيوية، منطلقة بشعار واحد تحت قول القويّ المتين جلّ شأنه:-
{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الشعراء: 109].
ولعلّ منشأ السؤال بدأ من الاستثناء الموجود في الآيتين الكريمتين، وهما على لسان حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله ذوي الفضل العظيم، وهما يدلان ظاهرا على وجود الأجر في تبليغ الشرع الشريف ودعوة الله تباركت ذاته.
فأقول:-
إنّ الآية الكريمة وردت على لسان سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه بدون هذا الاستثناء، فقد قالها صراحة كما أمره ربّه جلّ وعلا في قوله:-
{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [سورة ص: 86].
كما أنّ في الآيتين منافاة لقوله عزّ ثناؤه:-
{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [سورة يوسف عليه الصلاة والسلام: 104].
فطلب الأجر على التبليغ منفي قطعا.
إذاً هنا نحتاج إلى تأويل الآيتين الكريمتين الواردتين بالاستثناء:-
أمّا الآية الأولى وهي قول مَنْ هو أصدق قيلا تقدّست ذاته بكرة وأصيلا:-
{قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [سورة الفرقان: 57].
فإمّا أنْ يكون الاسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌا، وَالْمَعْنَى:- لَكِنْ {مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا} بِإِنْفَاقِهِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلْيُنْفِقْ.
أو أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا وَيُقَدَّرُ حَذْفُ الْمُضَافِ، التَّقْدِيرُ:- إِلَّا أَجْرَ {مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا} بِاتِّبَاعِ دِينِي حَتَّى يَنَالَ كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. تفسير الإمام القرطبي رحمه الله جلّ وعلا (13/62).
وأمّا الآية الثانية َفهي قَوْلُ مَنْ بيده الأولى والعقبى عظمت ذاته:-
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [سورة الشورى: 23].
وفي تفسير الاستثناء ثلاثة أقوال:-
القول الأوّل:- لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ وَالنُّصْحِ لَكُمْ مَا لَا تُعْطُونِيهِ، وَإِنَّمَا أَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَكُفُّوا شَرَّكُمْ عَنِّي وَتَذَرُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَاتِ رَبِّي، إِنْ لَمْ تَنْصُرُونِي فَلَا تُؤْذُونِي بِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ.
القول الثاني:- إِلَّا أَنْ تودُّوا الله عزّ جاره، ورسوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح.
القول الثالث:- إلا أن تَوَدُّونِي فِي قَرَابَتِي، أَيْ: تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ وَتَبَرُّوهُمْ. تفسير الإمام ابن كثير رحمه ربنا الكبير (7/199).
فَالْقُرْبَى عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْقَرَابَةُ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الرَّحِمِ، وَعَلَى الثَّانِي الْقَرَابَةُ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْأَقَارِبِ، وَعَلَى الثَّالِثِ هِيَ فُعْلَى مِنَ الْقُرْبِ وَالتَّقْرِيبِ.
والراجح فيها هو القول الأول، فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما:-
(أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله جلّ في علاه:-
(وَذِكْرُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَدِينَةِ بَعِيدٌ؛ فَإِنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ لِفَاطِمَةَ أَوْلَادٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْلِيٍّ إِلَّا بَعْدَ بَدْرٍ مِنَ السَّنَةِ الثانية من الهجرة.
والحق تفسير الآية بِمَا فَسَّرَهَا بِهِ الْإِمَامُ حَبرُ الْأُمَّةِ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] وَلَا تُنْكَرُ الْوَصَاةُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْتِرَامِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ، فَإِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ، مِنْ أَشْرَفِ بَيْتٍ وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَخْرًا وَحَسَبًا وَنَسَبًا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الْوَاضِحَةِ الْجَلِيَّةِ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ، كَالْعَبَّاسِ وَبَنِيهِ، وَعَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، رَضِيَ الله عنهم أجمعين) تفسير القرآن العظيم (7/201).
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2428) في هذا الموقع الكريم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه الكرام، ما غرّد الحمام، وتوالت الأيام.
والله العليم جلّ اسمه أعلم بأسرار كتابه ومكنون خطابه.