2020-06-13
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وجزاكم الله تعالى على هذا الموقع المبارك المفيد وأسأل الله تعالى أنْ يرفع مقامكم في الدنيا والآخرة. 
سؤالي سيّدي: هناك كلام متداول بين الناس وهو (الله شافوا بالعين لو بالعقل) فهل يجوز هذا القول؟ وما حكم مَنْ جزم أنّه يرى بالعقل أو قال بالعين؟
وجزاكم الله تعالى كل خير

الاسم: غزوان الجبوري

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، ودعواتكم الطيّبة، ولكم بمثلها وزيادة.
لقد بيّنت النصوص الشريفة فضل العقل ومكانته ومنزلته، قال ذو الجلال والإكرام:-
{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء عليهم السلام: 10].
وقال:-
{وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80].
وعاب على الذين لم يستثمروا هذه النعمة العظيمة في طاعته فقال مخبرا عن أهل النار:-
{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10].
وروي عن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنّه قال:-
(إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَقْلُ، فَقَالَ: أَقْبِلْ، فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: مَا خَلَقْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي) الإمام أبو نعيم رحمه الله الكريم.
وقال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين لأشجّ عبد القيس رضي الله تعالى عنه:-
(إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
قال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَأَمَّا الحِلْمُ فَهُوَ العَقْلُ، وَأَمَّا الأَنَاةُ فَهِيَ التَثَبُّتُ وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ) شرح النووي على مسلم (1/189).
والعقل هو مناط التكليف، قال حضرة النبيّ العفيف عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الفضل والتشريف:-
(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ، – أَوْ قَالَ: الْمَجْنُونِ – حَتَّى يَعْقِلَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَشِبَّ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
فبه يهتدي العبد إلى ما يصلحه في الدنيا والآخرة، وبالتالي فإنّ المقصود من هذه العبارة المتداولة عند النّاس (الله شافوا بالعين لو بالعقل) أنّ الله جلّ في علاه إنّما يُستدلّ على وجوده بالعقل لا بالعين، فإذا كان كذلك فلا بأس بها، فمن المعلوم أنّ معرفة الله عزّ وجلّ إنّما تكون بالعقل والشرع، لكن تفاصيل هذه المعرفة وما يترتب عليها من تكاليف شرعية لا تثبت إلّا بالوحي، والعقل الصريح لا يتعارض مع الوحي سواء في مسائل التوحيد أو غيرها.
ورحم الله تعالى القائل:-
عِلْمُ العَلِيْمِ وَعَقْلُ العَاقِلِ اخْتَلَفَا *** مَنْ ذَا الَّذِي مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا؟
فَالعِلْمُ قَالَ: أَنَا أَحْرَزْتُ غَايَـتَهُ *** وَالعَـقْـلُ قَالَ: أَنَا الرَّحْمَنُ بِي عُـرِفَا
فَأَفْصَحَ الْعِلْمُ إِفْصَاحَاً وَقَالَ لَهُ *** بِــأَيِّــنَــا اللهُ فِـي قُــرْآنِــهِ اتَّــصَــفَـا
فَـبَـانَ لِلْعَـقْـلِ أَنَّ العِـلْمَ سَـيِّـدُهُ *** فَـقَـبَّـلَ العَـقْـلُ رَأْسَ العِلْمِ وَانْصَرَفَا

أمّا عن رؤيته جلّ ذكره بالبصر في الدنيا فلا تصحّ إلّا بدليل صحيح، وقد دلّ القرآن الكريم على أنّ سيّدنا موسى عليه السلام لم يَرَ رَبَّه سبحانه، لمّا طلب ذلك، قال عزّ شأنه:-
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].
وقال جلّت صفاته:-
{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
لكن إذا كان يوم القيامة فإنّ الله جلّ في علاه يجود على عباده المؤمنين فيكرمهم برؤيته، قال عزّ من قائل:-
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23].
وَعَنْ سَيِّدِنَا جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-
(كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً – يَعْنِي البَدْرَ – فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق: 39]) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال صاحب متن الشيبانية رحمه ربّ الريّة عزّ جاره:-
وَلَا عَيْنَ فِي الدُّنْيَا تَرَاهُ لِـقَـوْلِـهِ *** سِوَى المُصْطَفَى إِذْ كَانَ فِي القُرْبِ أَسْعَدَا
وَمَنْ قَالَ فِي الدُّنْيَا يَـرَاهُ بِعَـيْنِهِ *** فَـذَلِـكَ زِنْــــدِيْــــقٌ طَـــغَــــا وَتَـــمَــــرَّدَا
وَخَالَفَ كُتْبَ اللهِ وَالرُّسْلَ كُلَّهُمْ *** وَحَــادَ عَـنِ الشَّــرْعِ الشَّــرِيْــفِ وَأَبْـعَــدَا
وَذَلِـكَ مِـمَّـنْ قَـالَ فِـيْـهِ إِلَـهُـنَــا *** يُــرَى وَجْــهُــهُ يَـــوْمَ الــقِـيَـامَــةِ أَسْــوَدَا
وَلَكِنْ يَـرَاهُ فِي الجِـنَـانِ عِـبَادُهُ *** كَـمَـا صَـحَّ فِـي الأَخْـبَـارِ نَـرْوِيْـهِ مُـسْـنَدَا

نعم خَصَّ الله جلّ في علاه حبيبه ومصطفاه صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه برؤيته في الدنيا قبل الآخرة، وهذا فضل الله عزّ وجلّ يؤتيه مَنْ يشاء، ويكفي في هذا الباب أنْ أنقل ما ذكره الإمام النووي رحمه الله جلّ جلاله إذ قال:-
(وهل رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الاسراء؟
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ رَأَى نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ؟ فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ وهو المشهور عن بن مَسْعُودٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وروى عن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَكَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَالْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذلك، وحكى مثله عن بن مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَكَى أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ رَآهُ، وَوَقَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي هَذَا وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ، وَسُؤَالُ مُوسَى إِيَّاهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا، إِذْ لَا يَجْهَلُ نَبِيٌّ مَا يَجُوزُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَى رَبِّهِ —
وَأَمَّا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ فَإِنَّهُ اخْتَارَ إِثْبَاتَ الرُّؤْيَةِ قَالَ: وَالْحُجَجُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وإنْ كانت كثيرة ولكنّا لَا نَتَمَسَّكُ إِلَّا بِالْأَقْوَى مِنْهَا وَهُوَ حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم؟).
وعن عكرمة سئل بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ).
وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ).
وَكَانَ الْحَسَنُ يَحْلِفُ لَقَدْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ، وَالْأَصْلُ في الباب حديث بن عَبَّاسٍ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَالْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَاتِ وقد راجعه بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَرَاسَلَهُ:
هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ.
وَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُخْبِرْ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَمْ أَرَ رَبِّي وَإنّمَا ذَكَرَتْ مَا ذَكَرَتْ مُتَأَوِّلَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُوْلًا} ولقول الله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ} وَالصَّحَابِيُّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً، وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ عن بن عَبَّاسٍ فِي إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى إِثْبَاتِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَيُؤْخَذُ بِالظَّنِّ وَإِنَّمَا يُتَلَقَّى بِالسَّمَاعِ، وَلَا يَسْتَجِيزُ أَحَدٌ أَنْ يَظُنَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ. وَقَدْ قَالَ مَعْمَرُ بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عبّاس، ثُمَّ إنَّ ابن عباس أثبتَ شيئا نفاه غيرُه، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إنّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِحَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ وَإِثْبَاتُ هَذَا لَا يَأْخُذُونَهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَشَكَّكَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا فِيهِ حَدِيثٌ لَذَكَرَتْهُ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتِ الِاسْتِنْبَاطَ مِنَ الْآيَاتِ) شرح النووي على مسلم (3/4 – 5).
ورحم الله سبحانه القائل:-
إِذَا ذُكِـرَ الخَـلِـيْـلُ فَـذَا حَـبِـيْـبٌ *** عَلَيْهِ اللهُ فِي القُــرْآنِ أَثْـنَـى
وَإِنْ ذَكَرُوْا نَجِيَّ الطُّوْرِ فَاذْكُرْ *** نَجِيَّ العَرْشِ مُفْتَقِرًا لِتَغْـنَـى
وَإِنَّ اللهَ كَــلَّــمَ ذَاكَ وَحْـــــيًـــا *** وَكَـلَّـمَ ذَا مُـشَـافَـهَـةً وَأَدْنَــى
وَلَـوْ قَـابَـلْـتَ لَفْظَةَ لَـنْ تَـرَانِي *** لِمَا كَذَبَ الفُؤَادُ فَهِمْتَ مَعْنَى
فَـمُـوْسَى خَـرَّ مَـغْـشِـيًّـا عَـلَيْـهِ *** وَأَحْـمَـدُ لَمْ يَـكُنْ لِيَزِيْغَ ذِهْـنَا

وإتماما للفائدة أقول مستعينا بالله جلّ في علاه:-
اتفق العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على جواز رؤية الله جلّ وعلا في المنام، قال سيّد الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لِي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَسَأَلَنِي فِيمَا اخْتَصَمَ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قَالَ: فَقُلْتُ: رَبِّي لَا عِلْمَ لِي بِهِ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ: فَمَا سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا عَلِمْتُهُ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى.
قَالَ الإِمَامُ البُغَوِيّ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ:-
(رُؤْيَةُ اللَّهِ فِي الْمَنَامِ جَائِزَةٌ، قَالَ مُعَاذٌ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «إِنِّي نَعَسْتُ فَرَأَيْتُ رَبِّي».
وَتَكُونُ رُؤْيَتُهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ظُهُورَ الْعَدْلِ، وَالْفَرَجِ، وَالْخِصْبِ، وَالْخَيْرِ لأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ رَآهُ فَوَعَدَ لَهُ جَنَّةً، أَوْ مَغْفِرَةً، أَوْ نَجَاةً مِنَ النَّارِ، فَقَوْلُهُ حَقٌّ، وَوَعْدُهُ صِدْقٌ، وَإِنْ رَآهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَهُوَ رَحْمَتُهُ، وَإِنْ رَآهُ مُعْرِضًا عَنْهُ، فَهُوَ تَحْذِيرٌ مِنَ الذُّنُوبِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أُولَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمرَان: 77]، وَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَأَخَذَهُ، فَهُوَ بَلاءٌ، وَمِحَنٌ، وَأَسْقَامٌ تُصِيبُ بَدَنَهُ، يَعْظُمُ بِهَا أَجْرُهُ لَا يَزَالُ يَضْطَرِبُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ) شرح السنّة (12/227).
اللهمّ صلِّ على سيّدنا محمد طبّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وقوت الأرواح وغذائها، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
والله تبارك اسمه أعلم.