2020-06-15
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيدي الكريم حضرة الشيخ سعدالله البرزنجي حفظكم الله تعالى ما رأي الشرع الشريف في المجالس التي تعقد لذكر الله سبحانه على هيئة الوقوف والتمايل والرقص والقفز وإخراج الذكر بصوت آه أو لفظ الجلالة من الصدر؟
وشكرا

الاسم: سائل

الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
آمين وحفظكم الله جلّ في علاه ورعاكم ووفقكم لكلّ خير إنّه سبحانه وليّ التوفيق.
الأصل في الذكر أنْ يكون قلبياً، قال الحق عزّ شأنه:-
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].
فالقلب محطُّ نظر الله جلّ جلاله وعمّ نواله كما قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) متفق عليه.
وقد ينطق اللسان بما يعبّر عنه القلب من ذكر لله عزّ وجلّ وشوق لحبيبه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.
أمّا الأفعال التي ذكرتها في سؤالك فإنْ كانت ابنة لحظتها، وبشكل لا إرادي، ودون تعمّد، وتكون بحدود الشرع الشريف، كعدم كشف عورة، أو أذيّة نفسه، أو الآخرين فهذا لا بأس به، بشرط أنْ لا يكون منهجاً يسير عليه الذاكرون، أو جزءً أصيلاً من وِرْدهم، إذ لم يرد أثرٌ في هذا أو سندٌ شرعي، إلا ما يحتجّ بعضهم بالحديث الشريف:-
عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَجَعْفَرٌ، وَزَيْدٌ، قَالَ: فَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ مَوْلَايَ، فَحَجَلَ، قَالَ: وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَنْتَ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي، قَالَ: فَحَجَلَ وَرَاءَ زَيْدٍ، قَالَ: وَقَالَ لِي: أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ، قَالَ: فَحَجَلْتُ وَرَاءَ جَعْفَرٍ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.
فهو حديث ضعيف لا تؤخذ منه الأحكام، وحتى لو صحّ فيصدق عليه ما أسلفت، فقد حدث في وقته تعبيراً عن فرح ببشارة حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، وليس كمنهج مستمر يُلتزم به أو يُعتاد عليه.
فثمرة ذكر الله عزّ وجّل هو الطمأنينة كما جاء في قول الله سبحانه:-
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
وقال جلّ وعلا:-
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّه} [الزمر: 23].
فكيف ينسجم الخشوع والسكينة مع تحرّك الأجساد وتمايلها بشكل مبالغ فيه، أو القفز في الهواء، وبشكل متّفق عليه بين الحضور وكأنّهم فِرقة مدرّبة وليس نتاج تأثرٍ لحظي لا إرادي، وقد سئل سيّدنا الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى عن سكون جسده عند سماع الذكر فقال:-
{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ —} [النمل: 88].
وهو رضي الله سبحانه عنه يبيّن أنّ التأثّر بالذكر روحي مخفيّ لا يظهر للعيان.
وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة النبيّ العدنان، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والعرفان.
والله تبارك اسمه أعلم.