2020-06-15
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي حضرة الشيخ (رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم) كيف حالكم أسأل الله تعالى أن تكونوا بصحة وعافية على الدوام وأنْ يُكرمنا ربّنا برضاك عنّا وجزاكم الله تعالى سيّدي على هذا الموقع المبارك كلّ الخير إذ تعلّمنا منه الكثير، ووفق القائمين عليه لما يرضيه سيّدي (رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم) سيّدي جاء في خاطر خويدمكم قول الله تعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ وكما تعلمون سيّدي رضي الله تعالى عنكم نعم الله سبحانه وتعالى عظيمة وجليلة لا تعد ولا تحصى لذلك ينبغي أنْ نشكرها فهو المنعم المتفضّل علينا بكلّ نعمة ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى ومن هذه النعم العظيمة التي أنعم بها علينا المنعم جلّ جلاله وعمّ نواله هي نعمة المرشد والشيخ المربي (رضي الله تعالى عنه وارضاه) وسؤالي هنا سيّدي هو: كيف نشكر هذه النعمة نعمة المرشد؟ وكيف نؤدي حقّه؟ والله سبحانه وتعالى يقول (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).
فالحمد لله الذي أدركنا وأكرمنا بكم سيّدي حفظكم الله تعالى وحفظنا بكم قرّة عيني وعين كلّ المحبين لكم وأعتذر عن سوء أدبي معكم سيّدي.

الاسم: خويدمكم

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع الكريم، ودعواتكم الصادقة، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد وخدمة هذا المنهج الشريف، وبعد:-
فإنّ من أعظم النعِم التي مَنّ الله جلّ في علاه بها على المسلمين على نحو خاص، والعالمين على نحو عام، هي بعثة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، قال الحقّ عزّ من قائل:-
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران عليهم السلام: 164].
ففي بعثته المباركة نفع عظيم وخير شامل للناس أجمعين في الدنيا ويوم الدّين، ومثل هذه النعمة لا يكون المسلم أمام شكرها إلّا عاجزاً يلهج بالحمد والثناء على الله سبحانه، ومصلّيًا على حبيبه ومصطفاه صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه.
فعلامة الشكر لله عزّ وجلّ أنْ يستشعر المسلم دائما تقصيره فيه، وأنّه مهما أثنى عليه بنعمه، وكرّر محامده، وأعمل لسانه وقلبه وجوارحه في القيام بحقّ شكره، فهو مقصِّر في ذلك لا تصل منه إلى ما يستحقه الربّ جلّ ذكره، كيف والتوفيق للشكر نعمة تحتاج إلى شكر آخر فيتسلسل الأمر.
قال الإمام الألوسي رحمه الله جلّ في علاه:-
(وللشكر مراتب، وأعلى مراتبه الإقرار بالعجز عنه، وفي بعض الآثار أنّ داود ـ عليه السلام ـ قال: يا رب كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فأوحى الله تعالى إليه: الآن شكرتني يا داود) روح المعاني (7/217).
وقال أيضا:-
(فإنْ آتاه رحمة شكره، أوّلا: برؤية ذلك منه جلّ شأنه بقلبه، وثانيا: باستعمال جوارحه في مراضيه وطاعاته والقيام بحقوقه تعالى فيها، وثالثا: بإطلاق لسانه بالحمد والثناء على الله تعالى، وبذلك يتحقق الشكر المشار إليه بقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} سبأ: 13، وإلى ذلك أشار مَنْ قَالَ:
أفادتكم النعماء منّي ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا
وبالشكر تزداد النعم، كما قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم: 7.
وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه: (إذا وصلت إليكم أطراف النعم، فلا تنفروا أقصاها بقلّة الشكر) روح المعاني (16/218).
والحاصل أنّ على المكلّف أنْ يعرف بقلبه نعمة الله تعالى عليه، وأنّ ما به من نعمة فمنه سبحانه، ثمّ يثني عليه جلّ جلاله وعمّ نواله بنعمته بلسانه، ويستعمل تلك النعم في مرضاته، فهذا شكر الجوارح، ثمّ هو مع هذا كلّه معترف بتقصيره وعجزه عن توفية المنعم حقّه سبحانه وبحمده، وممّا يعين على تكميل شكر الله تعالى الإكثار من ذكره عزّ شأنه، فإنّ الذكر رأس الشكر، قال ابن القيم رحمه الله جلّ في علاه:-
(إنّ الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره، وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال: رب قد أنعمت علي كثيراً، فدلني على أن أشكرك كثيراً، قال: اذكرني كثيراً، فإذا ذكرتني كثيراً فقد شكرتني كثيراً، وإذا نسيتني فقد كفرتني، وقد ذكر البيهقي أيضاً في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطباً من ذكري) الوابل الصيب من الكلم الطيب ص67.
ولمزيد فائدة واطلاع على معاني الشكر أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2285) والمشاركة المرقمة (169) في هذا الموقع المبارك.
والسادة المرشدون رضي الله تعالى عنهم وعنكم ورثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات ربي عليه وعليهم أجمعين وآلهم وصحبهم المكرمين، وهم على آثاره المباركة في هداية النّاس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولقد وهبهم الله تبارك في علاه صلاحيات تمكّنهم من هذه الخدمة الجليلة، ولهم بذلك مقامات عليّة في الدنيا والبرزخ والآخرة، كما أنّ لهم نصيبا ممّا منح الله سبحانه لنبيّه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه الغرّ المحجّلين، ولمزيد اطلاع وفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1368، 1654، 1663، 1755، 1761، 1981، 2018) في هذا الموقع النافع.
ولا شك أنّ المسلم – خصوصا السالك – يعجز عن شكر الله تبارك اسمه على هذه النعمة العظيمة، ولكنّه يبذل جهده في تطبيق معانيه التي أوردتها أعلاه.
كما عليه أنْ يجاهد نفسه طويلا للإفادة من مرشده رضي الله تعالى عنه أيّما إفادة بدوام الرابطة مع الأدب اللائق في هذا المقام، والالتزام بالمنهج الشريف، والسعي على تطبيقه على نحو فاعل في نفسه وأسرته ومجتمعه، وبهذا يكون قد أدّى بعض شكره لهذه النعمة العظيمة.
وحبذا أنْ يلتزم المسلم -بَلْهَ السالك- بهذا الدعاء النبوي الشريف مع استحضار نعمة وجود المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم في حياته وحياة أُسرته:-
(اللهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ) الإمام النسائي رحمه الله سبحانه.
وفقكم الله جلّ وعلا، وفتح عليكم أبواب القبول والعمل لخدمة شريعة الإسلام الغرّاء، إنّه سبحانه سميع مجيب الدعاء.
وصلّى الله تعالى على سيّد المرسلين والأنبياء، وآله وصحبه الأوفياء، وسلّم تسليماً كثيراً ما بقيت الأرض والسماء.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.