2020-06-16
السؤال:
هل يجوز للمرأة المرضعة أخذ أجور الرضاعة من زوجها؟

الاسم: أم آمنة

الرد:-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكر تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وأسأله جلّ جلاله وعمّ نواله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه سميع مجيب.
قبل الإجابة عن السؤال، لابدّ أنْ أبيّن أنَّ الأحكام الشرعية والفقهية يبحث عنها السائل لإحقاق الحقّ وتحقيق المصالح، وخاصّة الماديّة.
لكن هناك وصايا وتوجيهات ربّانية تصبّ في مصلحة العبد الأخروية، ومن ذلك ما له علاقة بالسؤال، ألا وهو البذل والعطاء، يقول ربّ الأرض والسماء عزّ وجلّ:-
{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران عليهم السلام: 92].
وهذه من الآيات الكريمة العظيمة التي حثّت على البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله تعالى، وكذلك الإيثار إذ أنَّ النفوس مجبولة على حبّ المال واكتنازه، كما قال الحقّ جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20].
وقال سبحانه عن الإنسان:-
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8].
فالمال في النفوس شأنه عظيم، وقد فهم أصحاب سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه هذا المعنى فسعوا لينالوا البرّ ببذلهم وإنفاقهم وإعطائهم أفضل ما لديهم، بل وامتثالهم السريع والمباشر لهذا التوجيه الرباني ومسابقتهم لتحصيل البرّ وهو الجنّة كما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله جلّ وعلا في تفسيره.
وآثار السادة الأصحاب رضي الله تعالى عنهم وعنكم في الإيثار وبذل العطاء من المحبوبات كثيرة، ومن ذلك:-
عن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:-
(كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}  وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فأحيانا يكون الحكم الفقهي معك، ولكن حينما يقابله توجيه ربّاني فيه السمّو والعلوّ وكسر النفس للارتقاء بها إلى مصافّ الأتقياء فيرجّح، لأنّ المأمول أنْ لا تبنى البيوت على والدرهم والدينار فقط، بل على البذل والعطاء والمحبة والإيثار.
ورحم الله العزيز الغفار جلّ وعلا القائل:
اللهُ أعْـطَـاكَ فَـابْـذُلْ مِنْ عَـطِـيَّـتِـهِ *** فَـالـمَـالُ عَـارِيَـةٌ وَالعُـمْـرُ رَحَّـالُ
الـمَـالُ كَالـمَاءِ إِنْ تَحْـبِسْ سَوَاقِـيَهُ *** يَأْسَنْ وَإِنْ يَجْرِ يَعْذَبْ مِنْهُ سَلْسَالُ
يَحْيَا عَلَى المَاءِ حَبَّاتُ القُلُوْبِ كَمَا *** يَـحْـيَـا عَـلَـى الـمَالِ أَرْوَاحٌ وَآمَالُ
أمّا جوابا على سؤالك:-
فقد تعدّدت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في مسألة أخذ أجرة الرضاع، فأجازه البعض سواء كانت في عصمة زوجها أو مطلقة.
والبعض الآخر لا يجيزه إلّا في المبتوتة من الطلاق لقوله عزّ وجلّ:-
{— فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ —} [سورة الطلاق: 6].
فهذه الآية تتعلّق بالمطلقة لأنّها وردت في سورة الطلاق وفي معرض الحديث عنه.
أمّا إذا كانت في عصمة الزوج فلا يجوز لها ذلك، وليس لها إلّا النفقة، لقوله عزّ شأنه:-
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ —} [سورة البقرة: 233].
قال الإمام أبو المعالي رحمه الباري جلّ وعلا وهو من علماء السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(حالَ قيام النكاح لا يجوز لها أنْ تأخذ الأجر بالإرضاع، لأنّه يجب عليها ديانة، كسائر أعمال البيت) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (3/564) بتصرّف.
وهذا ما أميل إليه.
وصلّى الله عزّ وجلّ وسلّم على حضرة النبيّ المبجلّ، سيّدنا محمّد الكامل المكمّل، وعلى آله وصحبه ومَنْ على طريقته أقبَل.
والله تبارك اسمه أعلم.