2020-06-20
السؤال:
السلام عليكم
أنا في عمر ٥٦ سنة وموظفة متزوجة ولي زوج وأولاد وأحفاد والحمد لله وأنا مريضة بالسكر والضغط ومشاكل بالقلب.
والدتي عمرها ٧٥ سنة تعيش في بيتها مع أخي الصغير المطلق وهو موظف ولي ثلاث أخوات وكلهم أصغر منّي ومتزوجات أيضا. مشكلتي والدتي تطلب منّي ترك بيتي وزوجي وأولادي والذهاب إليها والمكوث عندها لغرض رعايتها دون مراعاة حالتي الصحية المتدهورة والتزامي للدوام.
أنا حاليا أذهب لها كلّ أربعة أيام أزورها يوم واحد ولن ترضى ولكنّها تصرّ عليّ بالبقاء عندها دون أخواتي ولم تعذرني. أنا في مشاكل دائما مع زوجي لأنّه بحاجتي لأنّ صحته غير تمام. طلبنا أنا وزوجي من والدتي أنْ تأتي لدارنا ونقوم برعايتها حقّ الرعاية لأنني لا أستطيع أن أرعاها بمفردي كوني مريضة ومهددة بالجلطة علمًا أنَ زوجي طيلة ٣٥ عاما يحسن معاملتها مثل والدته لكن أمي لا ترضى ودائما جاحدة معنا وتنكر فضل زوجي عليها.
المشكلة هو:-
أولا: أنّ أمّي تريدني قربها وفي بيتها وأنا مريضة جدا وأحتاج رعاية من قبل زوجي وأولادي.
ثانيا: زوجي لا يسمح لي بالذهاب يوميا أو المبيت عندها.

الاسم: أم مصطفى

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خير الجزاء، على تواصلك مع هذا الموقع البنّاء، أسأل الله ربّ الأرض والسماء، أنْ يرزقك عيش السعداء، إنّه سبحانه سميع مجيب الدعاء. وبعد:-
فقد لمست من خلال رسالتك واستشارتك، قدرًا كبيرًا من الحرص على أداء الحقوق لأهلها، فواجب المسلم أنْ يوازن بين الحقوق المترتبة عليه، فيعطي لكلّ ذي حقّ حقّه دون إفراط ولا تفريط، وهذا الفهم من ندى هدايات شريعة سيّد السادات نبيّنا محمّد عليه أتمّ السلام وأفضل الصلوات، وعلى آله وصحبه ذوي الفضائل والمكرمات، فقد جاءت فيها نصوص منها:-
قوله عزّ من قائل:-
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا —} [سورة البقرة: 143].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
فكوني على ثقة ويقين بأنّ سلوكك هذا سيجعله الله عزّ وجلّ سببًا لسوق الخير إليك، والله جلّ جلاله لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملاً، ومكافئته سبحانه عاجلة وآجلة، وسيخلف عليك كلّ جهد تبذلينه في طاعة أمّك، وفي إرضاء زوجك، ورعاية بيتك.
وأنت معذورة أيتها الأخت الكريمة بعدم القيام بما تطلب والدتك منكِ، لانشغالك بزوجك وأولادك وعملك، فإنّ لكلّ واحد منهم حقه، والواجب عليك أنْ تعطي كلّ ذي حقّ حقّه، وهو القسط الذي أمر به ربّ العزة سبحانه في القرآن الكريم إذ قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [سورة الرحمن: 7 – 9].
والواجب عليك أنت وإخوانك – إذا كان لديك إخوة غير ما ذكرت – وأخواتك، أنْ تقسموا واجب خدمة والدتكم بينكم حتى لا تشعر بالفراغ أو الحاجة للرعاية.
وإنْ لم تقوموا أنتم بخدمتها بالشكل الذي تريد بسبب أحوالكم التي ذُكِرَت، فإنّ الواجب عليكم جميعًا أنْ توفّروا لها مَنْ يخدمها، إذا كانت لا تملك من المال ما تستأجر به مَنْ يخدمها، وهذا حقٌّ عليكم جميعًا إنْ كنتم قادرين على ذلك، والله عزّ شأنه سائلكم عن أمّكم، فإنّها مستحقة لبرّكم لاسيما عند كبر سنّها ومرضها؛ قال عزّ من قائل:-
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].
ولكنّك لم تقصري فيما ذكرت، وقد قمت بما تستطيعينه، ونصيحتي لكِ:-
أولاً: محاولة تذكير إخوانك وأخواتك بحق أمّهم عليهم، وأنّك واحدة منهم، ولا يلزمك شيء أكثر ممّا يلزم سائرهم، وأنّ الله جلّ وعلا سائلهم عن أمّهم، كما يجب تنبيه أخواتك البنات خاصة بهذا الحقّ؛ فإنّ إخوانك قد يكونوا مشغولين بأعمالهم، كما أنّ نساءهم قد لا يخدمنّ أمّك – إنْ فعلنَ – كخدمة بناتها، إذن فهو واجب مشترك منوط بكم جميعا، ويتأكّد في حقّ البنات لأنّها أمهنّ، وهنّ أقرب لها، وهذا الذي قلته لا يعفي إخوانك من المسؤولية وضرورة توفير من يقوم بخدمة الوالدة من مالهم.
وأنا على ثقة – إنْ شاء الله تعالى – بأنّهم إذا ذُكّروا بهذا، واستعنتِ بمَنْ له تأثير عليهم ليذكّروهم بحق أمّهم، وعظيم الجرم إذا فرطوا فيه، فإنّهم سينصاعوا للقيام ببعض حقوقها على الأقل.

ثانيًا: اجتهدي في التلطّف بزوجك، واستغلال الأوقات التي يكون فيها هادئ البال غير منفعل، فاستثمري هذه الساعات لتذكيره بالثواب العظيم الذي أعده الله جلّ جلاله لمَنْ أعان مسلمًا على قضاء الحاجة لمسلم آخر، فكيف إذا كانت أمّه، وقد وردت النصوص الشريفة الكثيرة في ذلك، منها:-
قول الله جلّ في علاه:-
{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].
وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنَ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِينَ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى.
وقوله:-
(كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ. قَالَ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ: وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
فأرجو أنْ تُرغبيه في أنّ ما يعينك به من الإذن، والتغاضي عن بعض حقوقه، في سبيل قيامك ببرك لأمّك صدقة له مدخرة عند الله تعالى، وأنّ له الفضل بذلك، وأنّ الله عزّ وجلّ سيخلف عليه في بدنه وفي ماله وولده.
ولا ريب أنّ هذا الزوج يتمتع بقدر كبير من الطيبة وحسن الخلق والسماحة، وهذا ظاهر من وصفك له من أعماله، فإنّه لن يصبر هذه المدة الطويلة إلا لما فيه من خلق ودين، ومن ثَمَّ فأنت قادرة بإذن الله تعالى على استغلال هذا الجانب الطيب في الزوج، وأنْ ترغبيه في الأجر والثواب، والاعتراف له بالفضل.
فابذلي يا رعاكِ الله تعالى ما تستطيعين من جهد في سبيل إرضائه، والقيام بحقوقه في وقت فراغك، وبذلك سيعينك الله سبحانه بإذنه ومشيئته على القيام برعاية أمّك والقيام بحقوق زوجك، ولكن إذا منعك زوجك من ذلك فإنّ من حقه عليك أنْ لا تخرجي إلا بإذنه، وأذكّرك هنا بالحديث النبوي الشريف:-
(لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ) الامام أبو داود رحمه الودود جلّ ذكره.
وأمّا ما يكون من غضب أمّك منك فإنّك لست آثمة بذلك، ولن يضرك ذلك بشيء – إنّ شاء الله سبحانه – ما دمت قائمة بما تقدرين عليه، ولعلّ رغبتها في رعايتك بالذات لأنّك الأحبّ إلى قلبها فأنت أكبرهنّ سناً وارجحهنّ عقلاً وأكثرهنّ حنية، وهذا من فضل الله تعالى عليك، ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (480، 1707) في هذا الموقع الميمون.
وأستثمر هذا التواصل لأتقدّم بالشكر الجزيل لجنابك الكريم ومثيلاتك من النساء فقليل منهنّ يتذكّرْن إحسانَ الزوجِ فلعلّ الله تبارك اسمه أنْ يهدي نساء المسلمين للقيام بواجب شكر أزواجهن على ما يبذلون.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أنْ ييسر لك الأمر، ويعينك على القيام بالبرّ بأمك والإحسان إليها، لتظفري بذلك الثواب الجزيل.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على صاحب الوجه الجميل، والخدّ الأسيل، والباع الطويل، والمقام الجليل، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه مَنْ أثنى عليهم التنزيل.