2020-07-01
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيّدي وقرّة عيني في الدارين رضي الله تعالى عنكم وأمدّكم بالصحة والعافية وجزاكم الله تعالى خير الجزاء عنّا وعن جميع المسلمين وبموقعكم المبارك الذي كله عطاء للإسلام والمسلمين وأسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله أن يحشرنا معكم في الدنيا والآخرة إنّه سميع مجيب الدعاء.
سؤالي: هل يجوز بيع سكن أو أرض واستعمال مبلغه في “سكن ثاني وعمل” أم فقط استعماله في سكن ثاني بديل عنه؟ وجزاكم الله تعالى عنا خير الجزاء.

الاسم: عمر طارق

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك كثيرا على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لما يحبّ ويرضى إنّه سبحانه سميع مجيب. وبعد:-
فإِنْ كانَتِ الدارُ أو الأرض التي تريد بيعَها زائدةً عن حوائجك الأصلية حيث يمكن الاستغناءُ عنها بغيرها، أو تجعل ثمنَها في مثلها؛ فلا حرجَ في ذلك.
أمَّا إذا كانَتْ حاجتُك إلى أرضك أو دارك قائمةً وَمُلِحَّة ثمَّ بعتها وجَعَلت ثمنَها في تجارةٍ، فإنّ الله جلّ وعلا لا يُبارِكُ في هذه التجارة، كما أخبر حضرةُ النبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم إذ قال:-
(مَنْ بَاعَ دَارًا أَوْ عَقَارًا فَلَمْ يَجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي مِثْلِهِ كَانَ قَمِنًا أَنْ لَا يُبَارَكَ لَهُ فِيهِ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.
قَوْله (قَمِنًا) أَيْ جَدِيرًا وَخَلِيقًا.
وقال أيضًا:-
(مَنْ بَاعَ دَارًا وَلَمْ يَجْعَلْ ثَمَنَهَا فِي مِثْلِهَا لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فيها) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.
قال الإمام المناوي رحمه الله جلّ وعلا في شرحه لمعنى الحديث الشريف:-
(مَنْ باع داراً.. لأنّها ثمنُ الدنيا المذمومة، وقد خلق اللّه الأرض وجعلها مسكناً لعباده، وخلق الثقلين ليعبدوه، وجعل ما على الأرض زينة لهم: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7]، فصارت فتنة لهم {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119]، فعصمه، وصارت سبباً للمعاصي فنزعت البركة منها، فإذا بيعت وجعل ثمنها متجراً لم يبارك له في ثمنها، ولأنّه خلاف تدبيره تعالى في جعل الأرض مهاداً) فيض القدير شرح الجامع الصغير (6/92).
وقال:-
(لأنّ الإنسان يُطلب منه أنْ يكون له آثار في الأرض، فلمّا محى أثره ببيعها رغبة في ثمنها جوزي بفواته —) فيض القدير شرح الجامع الصغير (6/93).
وأمّا قوله: “جعله في مثله” أي يشتري بها داراً أو عقاراً؛ لأنّ بالدور والعقار تُحيا الأرض الميتة، ولا فرق بين أنْ يشتري داراً عامرة أو أرضاً ثمّ يقوم بعمارتها لحصول المقصود، وهو إحياء وإعمار الأرض الميتة.
وقال الملا علي القاري رحمه الله سبحانه:-
(قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي: بَيْعُ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ وَصَرْفُ ثَمَنِهَا إِلَى الْمَنْقُولَاتِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، لِأَنَّهَا كَثِيرَةُ الْمَنَافِعِ، قَلِيلَةُ الْآفَةِ، لَا يَسْرِقُهَا سَارِقٌ، وَلَا يَلْحَقُهَا غَارَةٌ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولَاتِ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُبَاعَ، وَإِنْ بَاعَهَا فَالْأَوْلَى صَرْفُ ثَمَنِهَا إِلَى أَرْضٍ أَوْ دَارٍ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/1983).
وهذا الحكم، ما لم يكن في بيع العقار أو الدار ضرورة، فإنْ كانت فالمنع لا يلحق المضطرَّ؛ لاختلاف الأحكام العادية والاضطرارية، والتجارةُ بجزءٍ مِنْ ثمنها عند الحاجة لا يدخل فيه؛ مراعاةً لشرط الضرورة التي تُقدَّرُ بقَدْرها، كأنْ يكون عليه دَيْنٌ قد حلّ أجله أو غير ذلك.. وليس عنده إلّا هذه الدار فلا يدخل في النهي، بل يجب عليه بيعها وتسديد دَيْنِهِ.
وقد جاء في معنى هذا الحكمِ قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:- (مَنْ بَاعَ عَقْرَ دَارٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ سَلَّطَ اللهُ عَلَى ثَمَنِهَا تَالِفًا يُتْلِفُهُ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ جلاله.
والحديث ـ وإِنْ ضعَّفه أهلُ العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم ـ إلَّا أنّه يشهد للمضطرِّ عمومُ النصوص الشرعية الواردةِ في باب الضرورة.
وبالنتيجة:-
السائل الكريم هو الذي يقدّر وضعه وحالته وما ينطبق عليه ضمن حدود ما ورد.
وصلّى الله تعالى وسلّم على البشير النذير، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقدير.
والله عزّ شأنه أعلم.