2020-07-05
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي وشيخي وقرّة عيني في الدارين رضي الله تعالى عنك وجزاك الله تعالى خير الجزاء عنّا وعن جميع المسلمين وبموقعكم المبارك الذي كلّه خيرات للمسلمين.
سؤالي عن بعض الذين يرفضون تصديق أحاديث الرسول النبوية صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم بحجة أنّها غير مذكورة في القرآن الكريم، فكلّما نتحدث عن مواضيع حلال وحرام ويذكر حديث نبوي شريف يسألون هل هذا الحديث مستخرج من القرآن الكريم؟ أو هل مذكور في القرآن الكريم؟ علما أنّ بعضهم خريجين كلية الشريعة، فماذا يكون الجواب في هذه الحالة؟ أسأل الله العظيم جل جلاله ان يحفظكم ويمدكم بالصحة والعافية.
خادمكم عمر طارق
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاكم الله جلّ وعلا خيرا على دعواتكم الطيبة، وعلى حسن ظنّكم بالعبد الفقير، والذي يرجو كثرة دعائكم؛ ليمكنّه الله الكريم جلّ شأنه من الخدمة في مشارق الأرض ومغاربها.
لا يستغرب ظهور مثل هذه النِحَل، فقد أخبر بها حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه هداة الأنام، وظهورها يزيدنا يقينا بحضرته صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وبكلّ ما أخبر به، فقال:-
(يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِثْلُ مَا حَرَّمَ الله) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.
وهذا الحديث الشريف دوَّنه بعض أهل العلم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم في دلائل النبوة، فحضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يصف حال أناس يأتون إلى المسلمين يُلَبِّسُون عليهم دينهم، ويضللونهم بقولهم: علينا بالقرآن الكريم فقط في أحكام الدِّين، يريدون بذلك إنكار السنّة المطهّرة والطعن فيها.
ولا نستغرب ونحن في هذه الحياة الدنيا، وهي دار ابتلاء أنْ نسمع أو نرى مثل هؤلاء المعارضين والمخالفين، ليختبر الله جلّ وعلا إيماننا بهذه الفتن وتلك الأقاويل؛ وينظر ماذا سنفعل، قال الحكيم الخبير سبحانه:-
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت: 2-3].
إنّ ربّنا الحفيظ تقدّست ذاته العليّة حفظ أصل الدين في القرآن العزيز، فهو القائل جلّ جلاله:-
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: 9].
وترك للأمّة الإسلامية مجالا تنال من خلاله الأجر والثواب، وتستثمر طاقات الروح فكرا وقلبا للتميّز والارتقاء.
ففي البداية مُنِع من كتابة السنّة المطهّرة توثيقا للقرآن الكريم وحفظه باعتباره هو الأصل، قال حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-
(لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.
وهذا تربية للأمّة لتستنهض قدراتها وإمكاناتها بما يتلائم مع مقتضيات العصر في هذا الشأن وغيره، فعلى سبيل المثال في هذا المجال:-
لمّا اتسعت دائرة الأمّة وانقطع الوحي، خشيت على السنّة فعملت بهذا التوجيه وبذلت الجهود الكبيرة لجمعها وصيانتها وحفظها، وبذلك جعل الله تعالى لها دورا في حماية وحراسة هذا الدِّيْن، والناظر بعين البصيرة يرى أنّ في هذه الجهود الجبارة عناية الله جلّ جلاله بدينه وبآثار نبيّه عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، قولا وفعلا وتقريرا.
وأفضل دليل على ذلك علم الأسانيد الذي خُصّت به هذه الأمّة وتميّزت عن غيرها من الأمم.
وهذه النِحْلة المذكورة قديمة، وقد قام علماء الأمّة رضي الله تعالى عنهم وعنكم بالردّ عليها وبيان زيفها، لكن ظهرت مرّة أخرى في العصر الحديث في الهند أثناء فترة الاحتلال الإنجليزي على يد شخص اسمه أحمد خان إذ فسّر القرآن الكريم بالرأي المحض، ووضع شروطا تعجيزية لقبول الحديث الشريف ممّا جعله ينكر أغلبه، وهذا هو حال أهل الأهواء والزيغ نعوذ بالله جلّ وعلا منهم، تنتشر سمومهم في المجتمع تحت ظلّ الاستخراب الذي يُسمّونه استعمارا دجلا واستكبارا، ويشيعون الجهل في المجتمعات؛ لإضعاف درعها الحصين من الإيمان بالله تعالى وبرسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه إلى يوم الدين.
وتقوم هذه النِحلة على أفكار، مجملها ما يأتي:-
1- إنّ القرآن الكريم هو المصدر الوحيد لأحكام الشريعة.
2- رفض كلمة تفسير القرآن الكريم، إذ يعدّونه شيئا غامضا أو معقِّدًا.
3- لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم.
4- لا يعتبرون الحديث النبوي الشريف مصدرا للتشريع.
5- لا يقبلون روايات أسباب النزول، أو التفسير المأثور عن سلف الأمّة رضوان الله سبحانه عنهم أجمعين.
6- لا يعتدّون بالإجماع، أو القياس.
ومن هذا المنطلق فإنّهم يخالفون الفكر الإسلامي السائد منذ عصر السلف والأئمة عليهم الرحمة والرضوان، ويَرَوْنَ أنّه فكر حرفي متطرّف ومخالف للإسلام الصحيح، ويطلقون عليه مسمّى الأديان الأرضية. وقد قال حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(لَا تَجْتَمِع أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ في علاه.
وكما هو واضح لك ولغيرك أيّها السائل الكريم، فإنّ هذا انسلاخ عن دين الإسلام.
ولعلّ من أبسط ما يردّ به عليهم قَولَ الإمام الْبَيْهَقِيّ رحمه العزيز الغنيّ سبحانه:-
(وَلَوْلَا ثُبُوت الْحجَّة بِالسنّةِ، لَما قَالَ صلّى الله عَلَيْهِ وَسلّم فِي خطبَته- بعد تَعْلِيم مَنْ شهده أَمر دينهم: أَلَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب، فَرُبَّ مُبَلّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) الإمام البخاري رحمه ربنا الباري، دلائل النبوة (1/23).
ثُمَّ نَسْأَل هَؤُلاَءِ:-
أَيْنَ هِيَ الآْيَاتُ الَّتِي تَدُلّ عَلَى كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ، وَعَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ خَمْسٌ، وَعَلَى أَنْصِبَةِ الزَّكَاةِ، وَعَلَى أَعْمَال الْحَجِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأْحْكَامِ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا إِلاَّ مِنْ السُّنَّةِ المباركة؟
أخرج الإمام البيهقي بسنده أنّ سيّدنا عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه ذكر الشفاعة:-
(فقال رجلٌ من القوم: يا أبا نجيد إنّكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعا، ووجدت المغرب ثلاثا، والغداة ركعتين، والظهر أربعا، والعصر أربعا؟ قال: لا، قال: فعمّن أخذتم ذلك؟ ألستم عنّا أخذتموه، وأخذناه عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم؟ أوجدتم فيه من كلّ أربعين شاة شاة، وفي كلّ كذا بعيرا كذا، وفي كلّ كذا درهما كذا؟ قال: لا، قال: فعمّن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ وقال: وجدتم في القرآن:-
{وَلْيَطَّوَفُوْا بِالبَيْتِ العَتِيْقِ} [سورة الحج: 29]، أوجدتم فيه فطوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين من خلف المقام أوجدتم هذا في القرآن؟ فعمّن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنّا، وأخذناه عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلّم، وأخذتموه عنّا؟ قالوا: بلى) إلى أنْ قال:-
(سمعتم الله تعالى قال في كتابه: {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [سورة الحشر: 7]، قال عمران: فقد أخذنا عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم أشياء ليس لكم بها علم.
قال: ثمّ ذكر الشفاعة، فقال: هل سمعتم الله تعالى يقول لأقوام: {ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ} [سورة المدثر: 42 – 48].
قال شبيب: فأنا سمعت عمران يقول: الشفاعة نافعة دون ما تسمعون) دلائل النبوة (1/25).
ومَنْ تأمّل هذا الفكر تبيّن له أنّ هدف هؤلاء، والغاية التي يسعون إلى تحقيقها هو القضاء على الإسلام، وتفريق الأمّة المسلمة، بل أنّ نهايته هو إنكار حتى القرآن العظيم الذي يدعون الاستناد إليه.
على أنّي أبيّن أنّ قائل مثل هذا الكلام لا يكفر بالمطلق؛ لأنّهم قسمان:-
الأوّل:- جاحد بعد بيان الحجة عليه، فهذا خارج عن ملّة الإسلام والعياذ بالله تبارك وتعالى.
الثاني:- مصاب بمرض فكري ولوثة قلبية؛ فهذا يببّن له الحق بالحسنى، ويوضح له بالحكمة والموعظة الحسنة.
ونصيحتي لهؤلاء أنْ ينتبهوا؛ فإنّهم يسيرون في ركاب مَنْ يؤصلون اليوم لِما يسمّى بالقراءات القرآنية المعاصرة غير المنضبطة التي في حقيقتها تعتمد على المنهج الغربي في تفسير النصوص بدون ضوابط ولا تقديس لهذا الكتاب العظيم، إذ كلّ واحد عندهم له الحقّ أنْ يفسِّر القرآن االكريم على ما يراه.
أجارنا الحافظ تنزّه اسمه بحفظه مِن الزيغ والضلال، وسار بقلوبنا على الدوام في الأقوال والأفعال والأحوال على آثار خير الرجال، سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وعلى جميع الصحب والآل إلى يوم المآل.
ولا يسعني في الختام إلّا الدعاء بما علّمنا ربنا جلّ جلاله قي كتابه:-
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام: 8].
وبدعاء حضرة النبيّ المكرّم صلّى الله تعالى عليه وسلّم وعلى مَن على طريقته أقدم:-
(يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) الإمام أحمد رحمه ربنا الصمد جلّ جلاله.
وصلّ اللهمّ وسلّم على المبيِّن لمراد كلامك، والمخصوص بترجمة مكنون خطابك، سيّدنا محمّد صفوة أنبيائك وأهل ودادك، وعلى آله وصحبه، وعلى كلّ مَن قصد وجهك الكريم وأرادك.
والله تنزّهت ذاته الذي له الفصل يوم الفصل أعلم.