2020-07-10
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي حضرة الشيخ سعد الله عسى أن تكونوا بصحة وأحسن حال رضي الله عنكم سيّدي.
ما حكم قول القارئ للقرآن الكريم بعد الانتهاء من قراءته (صدق الله العظيم)؟ جزاكم الله تعالى عنّا خيرا.
أسأل الله تعالى أنْ يمتعنا بعلمكم وبركاتكم.
الاسم: أبو احمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي الكريم.
وجزاك الله جلّ وعلا خيرا على دعواتك الصادقة، وزيارتك لهذا الموقع المبارك.
وبعد:-
فإنّ قول: (صدق الله العظيم) بعد قراءة القرآن الكريم جائزٌ ولا شيء فيه، بل هو من جملة المستحبات.
والدليل على ذلك: أنّ قول: (صدق الله العظيم) مطلق ذكر لله جلّ في علاه؛ وقد أُمِرنا بذكر الله سبحانه بالأمر العام في قوله عزّ من قائل:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41].
وبالأمر الخاص في خطاب الله تعالى رسوله الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين بقوله:-
{قُلْ صَدَقَ اللهُ —} [آل عمران عليهم السلام: 95].
والربط بين قراءة القرآن الكريم وبين هذا الذكر في نهايته لا مانع منه شرعًا؛ إذ هو عبادة أضيفت إلى أخرى.
ولا يقال: إنّ هذا إحداث في الدين ما ليس منه، بل هو إحداث فيه ما هو منه، وهذا يُفهم من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؛ فعن سيّدنا رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه قال:-
(كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فهذا صحابي يدعو بما لم يَسبق بخصوصه بيان نبويّ فيُقِرُّه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ولم يُنكر عليه، بل بشَّره بأنّه رأى الملائكة يتنافسون على كتابتها.
ولا يُقال: إنّ هذا كان وقت تشريع، والنبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام معهم يرشدهم، أمّا الآن فلا؛ وذلك لأنّه لم ترد في سياق الحديث أيُّ قرينة تشير إلى ذلك: حالية أو مقالية، فالحالية؛ كغضب من حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم يصفه راوي هذا الحديث من تجرؤ هذا الصحابي الإتيان بذكر لم يُعلِّمه إيّاه سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه.
والمقالية؛ كما روى سيّدنا أبو بكرة رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازَ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُوْرٍ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْمَأْثُوْرِ) فتح الباري (2/287).
وفي حاشية الجمل على شرح المنهج:-
(فَرْع: لَوْ قَالَ: صَدَقَ اللهُ العَظِيْمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، قَالَ م ر -يَعْنِي الشَّمْس الرَّمْلِيّ-: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضُرّ) حاشية الجمل (1/431).
وممّا يستأنس به أيضًا من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في هذه المسألة: ما ذكره الإمام القرطبي رحمه الله جلّ وعلا في مقدمة تفسيره أنّ الحكيم الترمذي رحمه الله سبحانه تحدّث عن آداب تلاوة القرآن الكريم وجعل منها أنْ يقول عند الانتهاء من تلاوته: (صدق الله العظيم)، أو ما يؤدي هذا المعنى، وهذا هو نصّ عبارته:-
(وَمِنْ حُرْمَتِهِ إِذَا انْتَهَتْ قِرَاءَتُهُ أَنْ يُصَدِّقَ رَبَّهُ، وَيَشْهَدَ بِالْبَلَاغِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَشْهَدَ عَلَى ذلك أنه حق، فيقول: صدقت رب وَبَلَّغْتَ رُسُلُكَ، وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ شُهَدَاءِ الْحَقِّ، الْقَائِمِينَ بِالْقِسْطِ، ثُمَّ يَدْعُو بِدَعَوَاتٍ) الجامع لأحكام القرآن (1/27 – 28).
وفي هذا المقام أوجّه جنابك الكريم والمسلمين أنْ يتنافسوا في الخيرات، ويقرؤا هذا الكتاب المبين، والحبل المتين، وهم يتدبرون آياته، ويطبّقون أحكامه، ويغيّروا حياتهم بتوجيهه.
وصلّى الله تعالى وسلّم على مَنْ أنزل عليه القرآن، الصادق الأمين، ورسول ربّ العالمين، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين.
والله جلّ جلاله أعلم وأحكم.