2020-07-13
السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
إنّي إنسان غير سالك ولكنّي ملتزم بالدين الإسلامي وبسنّة الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم أريد أسأل عن ورود كلمة في كتاب الله عزّ وجلّ في القرآن الكريم وهي الأجداث {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} هل الأجداث القبور أم ماذا؟ وإذا كانت القبور كيف قوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَات}؟ كيف تبعث هذه الروح إلى الجسد ويخرجون من القبور؟.. ما هو تفسيرها؟ الله يحفظكم لأن صار هواية دايخ بيها.
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته
 
الاسم: أحمد هيثم
 
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله العظيم إنْ يثلج صدرك بالجواب ويذهب ما برأسك من صداع ويمنّ عليك براحة البال، ويحفظكم من كلّ سوء إنّه سبحانه سميع قريب.
أبارك لك التزامك بكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه المبجلّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ومَنْ على طريقته أقْبَلَ.
وإنّي لأرجو أنْ توفّق للسلوك على يد وارث لحضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، ليأخذ بيدك إلى رياض التزكية النبوية الشريفة، لأنّ هذا من صلب الدِّين، وأذكّرك بقول الله جلّ في علاه:-
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس: 9، 10].
وقوله عزّ شأنه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119].
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (11، 117، 203، 1477، 1625، 1816، 2331) في هذا الموقع المبارك.
 
أمّا بخصوص سؤالك عن الأجداث وهل تعني القبور؟
فنعم، الأجداثُ جَمْعُ جَدَث وهو القَبْرُ.
فَعَنْ سيّدنا أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ:
(خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّمَا نُشَيِّعُ مِنَ الْمَوْتَى، سُفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ، نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ (أَيْ نُنْزِلُهُمْ قُبُوْرَهُمْ)، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأَنَّكُمْ مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، قَدْ نَسِيتُمْ كُلَّ وَاعِظَةٍ، وَأَمِنْتُمْ كُلَّ جَائِحَةٍ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَن عُيُوبِ النَّاسِ، وَتَوَاضَعَ للَّهِ فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وَأَنْفَقَ مِنْ مَالٍ جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ، وَجَانَبَ أَهْلَ الشَّكِّ وَالْبِدْعَةِ، وَصَلَحَتْ عَلانَيَتُهُ، وَعَزَلَ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) الإمام البزار رحمه العزيز الغفار سبحانه.
ورحم الله عزّ وجلّ مَنْ قالَ:-
تُنَاجِيكَ أَجْدَاثٌ وَهُنَّ سُكُوتُ *** وَسُكَّانُهَا تَحْتَ التُّرَابِ خُفُوتُ
أَيَا جَامِعَ الدُّنْـيَـا لِغَيْرِ بَلَاغَةٍ *** لِمَنْ تَجْمَعُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَمُوتُ.
وسبب تسمية القبر بالجَدَثِ له صِلَةٌ بمعنى كلمة (الجَدَثَة) وهو صوت الحافر والخُفّ، ومضغ اللحم.
فلو تأمّلتَ هذه المعاني وقرنتها بالمواطن التي وردت فيها كلمة الأجداث في القرآن الكريم اتضّح المراد، وهو:-
وصف للخروج من القبر وما ينتج عنه من أصوات بسببه، وهذا يبدو جليًّا عندما نقرأ قوله عزّ من قائل:-
{خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [سورة القمر: 7].
وكلّنا يعلم الصوت الذي يصدره الجراد حين طيرانه وانتشاره.
وقوله سبحانه:-
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} [سورة يس: 51].
أي يسرعون في الخروج مع مقاربة الخطو، وهذا ما يؤكّده قوله جلّ وعلا:-
{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [سورة المعارج: 43].
ومن المعلوم أيضًا أنّ الأجساد تبلى في القبور ولا يبقى منها إلا عَجْبُ الذّنَب كما أخبر سيّدنا محمّد صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه إذ قال:-
(كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
وهذا ينسجم مع المعنى الثاني لكلمة (الجَدَثَة) وهو مضغ اللحم.
 
أمّا سؤالك عن قول الله عزّ وجلّ:-
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه السلام: 48].
فهذا لا علاقة له بالقبور، لأنّ تبدّل الأرض يكون بعد الخروج منها.
فَعَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:-
(سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ}، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه.
 
أمّا سؤالك عن الكيفية التي تبعث بها الروح إلى الجسد، فثابتة بما أخبر به سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، إذ قال في حديث طويل:-
(— ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ بِالصُّورِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَنْطَلِقُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا فَتَدْخُلُ فِيهِ —) الإمام الحاكم رحمه الله جلّت قدرته.
وطريقة عودة الروح إلى الجسد غير معلومة لكن ينبغي الإيمان بها لأنّها غيب، حالها لا يختلف عن نفخ الروح في الجسد عند بدء الخلق، وقد مدح الله جلّ جلاله المؤمنين بالغيب ووعدهم الأجر العظيم فقال:-
{الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [سورة البقرة: 1 – 3].
وقال:-
{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [سورة الملك: 12].
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجعلنا منهم، برحمته إنّه سبحانه أرحم الراحمين.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ولله تبارك اسمه أعلم.