2020-08-17
السؤال:
السلام عليكم حيرني التفكير لماذا يغسل الميت وبعد البحث في النت أكثر أهل العلم قالوا: إكرام للميت … ولكنّي لم أقتنع … وأنا مستلقي هذه الليلة بدأت التفكير للموضوع وجال في خاطري … أنّ الإنسان يولد من بطن أمّه تحيط به القذارة والدم من بطن أمّه ودخوله الحياة الدنيا، وعندما يتركها يغسل ويحنط ويكفن بالملابس البيضاء ويترك الدنيا ويذهب إلى أوّل منزل من منازل الآخرة ألا وهو القبر… فقلت: هذا لتفاهة هذه الدنيا التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة، يدخلها الإنسان بجسد يحمل معه القذارة، وعندما يخرج لا بُدَّ أنْ يكون له جسد طاهر …. أرجو إعلامنا رأيكم الكريم.
 
الاسم: بكر أحمد نايف
 
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ ينفعك به وسائر العالمين إنّه سبحانه سميع مجيب.
الأمور التعبديّة كالوضوء، وعدد ركعات الصلاة، وأوقاتها، والمسح على ظاهر الخفّ دون باطنه، وغسل الميت وتكفينه وتحنيطه وغيرها، المؤمن غير مطالب بمعرفة الحكمة منها ولهذا كان السلف الصالح من هذه الأمّة رضي الله تعالى عنهم وعنكم عندما يُؤمرون بشيء لا يسألون عن السبب لأنّ مثل هذه الأسئلة نهى عنها سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، لأنّ الله جلّ وعلا يكرهها كما جاء في الحديث الشريف:-
(إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وَقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
والمراد بكثرة السؤال: الأسئلة التي لا تنفع الإنسان في دنياه وأُخراه، والتي هي من باب الترف الفكري
لذلك وصف الله عزّ شأنه الصحابة الكرام رضي الله سبحانه عنهم وعنكم عندما يأتيهم أمر الله تعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، بقوله الكريم:-
{وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [سورة البقرة: 285].
فإذا كان لجسد المؤمن الميت نصيب من التغسيل والتكفين والحنوط والتشييع وحمله إلى مثواه الأخير فإنّ للروح نصيبا أوفر من ذلك وأعظم حيث أنّ الملائكة الكرام عليهم السلام عند قبض روحه يأتون بكفن وحنوط من الجنّة ويشيعونه ويصعدون به في موكب مهيب إلى السموات ثمّ تعاد روحه إلى جسده بعد دفنه فيكون الجسد والروح قد نال كلّ منهما هذا التكريم، وقد جاء ذلك في الحديث الشريف عَنْ سَيِّدِنَا الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ. قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ —) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ في علاه.
ومع هذا التوجيه والالتزام لا مانع من البحث عن الحكمة قدر المستطاع من باب التعرّف على جمال وكمال وتمام الشرع الشريف ومعرفة وسائل الدعوة إليه، قال عزّ من قائل:-
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا} [سورة الإسراء: 41].
وقال عزّ شأنه:-
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [سورة الكهف: 54].
وقال جلّ جلاله:-
{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [سورة العنكبوت: 43].
وقال سبحانه:-
{— وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الحشر: 21].
فبهذه النيّة (البحث عن أوجه جمال وكمال —) ممكن أنْ يقال:-
إنّ الحِكمة من تغسيله وتكفينه وتحنيطه ليكون جسده طاهرًا عندما ترجع روحه إليه، فيقدم على الحساب نظيفًا، أو من باب التكريم، قال عزّ وجلّ:-
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء: 70].
ليميز الإنسان عن غيره من المخلوقات الظاهرة.
ولحكم أُخرى قد يعلمها مَنْ يعلمها، قال سبحانه:-
{— وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 76].
ومنها ما لا يعلمها الاّ الله عزّ وجلّ.
ولو نظرت إلى المولود حين يستهل فإنّه أوّل ما يبدأ بالبكاء، في حين يفرح أهله وذووه، ويلف بالقماش الأبيض المسمّى (القِماط)، وعندما يموت ينقلب المشهد فالمؤمن يسعد ويفرح بينما أهله وذووه يحزنون ويكفّن كما وُلد، يدخل الدنيا عاريًا مغمضَ العينين، ويخرج منها عاريًا مغمض العينين.
فهناك أوجه مقابلة بين ولادته وموته.
والله تبارك اسمه أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وآله وصحبه أهل الجود والكرم.