20-8-2020
السؤال:
السلام عليكم سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.
هل يجوز استعمال كلمات مبهمة كأوراد مثل (صفهوود) (أهم صقق هلع يصو)؟ وجزاكم الله عزّ وجلّ خيراً.
الاسم: عبد السلام أحمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ في علاه خيرا على تواصلك مع هذا الموقع الكريم، وأسأل الله العظيم أنْ يجعل ذلك في صحائف أعمالك الصالحة إنّه سبحانه سميع مجيب.
أتشرّف بهذه الآية الكريمة الشريفة مدخلا للجواب:-
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 7].
فالقرآن الكريم فيه المحكم والمتشابه:-
المحكم:- هو البيّن الواضح الذي لا يلتبس أمره، وهذا هو الغالب فيه، لأنّه أمّ الكتاب، فعلى سبيل المثال قوله تعالى:-
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا —} [سورة التوبة: 36].
وأمّا المتشابه:- فهو الذي يخفى أمره على بعض الناس، فيعلمه العلماء (أهل الاستنباط) رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ومنه ما لا يعلمه إلّا الله جلّ في علاه.
فعلى سبيل المثال لا الحصر الآيات التي تذكر حروفا مقطعة كقوله عزّ شأنه:-
{ألم} [سورة البقرة: 1].
وقوله:-
{طسم} [سورة الشعراء: 1].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله الكبير:-
(يخبر تعالى أنّ في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بيّنات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد …
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي: إنّما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أنْ يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنّه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأنّ القرآن قد نطق بأنّ عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف : 59]، وبقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنّه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله. وقوله: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أي: تحريفه على ما يريدون) تفسير القرآن العظيم (2/6).
والحكمة من المتشابه -كما ذكر أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم- هي الاختبار، فكما أنّ الله عزّ وجلّ يمتحن بالخير والشرّ والسرّاء والضرّاء والأوامر والنواهي، يبتلي كذلك بالمحكم والمتشابه.
أعود بعد هذا إلى جواب السؤال وبالله تعالى التوفيق:-
فقد أمرنا الشارع الحكيم باتباع الشريعة الغرّاء من خلال الأوامر والنواهي التي كلفنا الله جلّ وعلا بها، وأنّ أساس هذه الأحكام هو خطاب الشارع المتعلّق بأعمال المكلفين، فهل لهذه الأحكام والأوامر والخطاب ظاهر وباطن؟ وهل البواطن كالظواهر مبينات في الشريعة الغرّاء؟
والحقيقة سؤالي هذا هو جواب ضمني لمَنْ يقول أو يلمح أنّ هذه الحروف والألفاظ فيها أسرار ويذكر أنّه يعلمها أو أحاط بشيء من علمها مع أنّ صاحب الشرع وحبيب الحق صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه تركها كما هي مقروءة متلوة دون الإفصاح عن معانيها وأسرارها، فقط مَنْ تلاها نال الأجر بكلّ حرف عشر حسنات، وبدورنا نتأدّب معه، ونكل قوله لله جلّ في علاه، ولا نخوض فيه، ونبتعد عن الشحناء والبغضاء والتنابز بالألقاب كما أمرنا الله سبحانه بذلك في كتابه العزيز:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة الحجرات: 11].
وقوله تعالى:-
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [سورة الإسراء: 36].
والجواب على سؤال: هل إنّ الشريعة لها ظاهر ولها باطن؟
وظواهر الأعمال وبواطنها مبينات في الشريعة نصًّا عليها أو إرشادًا إليها. والظاهر والباطن متطابقان؛ فكلّ ظاهر أو باطن من الأعمال يناقض أو يتعارض مع أحكام شريعة الإسلام فهو بحكم التعارض أو التناقض خارج عن الإسلام وليس منه، ونفهم من هذا أنْ ليس يوجد في الإسلام باطن هو متناقض أو متعارض مع ظاهر الشريعة الغرّاء. معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي ص٧٤ – ٧٥ بتصرّف.
(وما نجد من مدارك شريعة الإسلام نصًّا يحرّم شيئًا من العلوم، ما خلا علمًا واحدًا هو علم السحر والشعبذة الملحقة به. فافقه الآية المبينة التالي نصّها:-
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 102].
فالسحر أيّا كان وجه الإتيان به فهو محرّم: كالعياذ بالجنّ لإحداث خوارق المألوف، وكالشعبذة التي سحر بها سحرة فرعون الحبال فخيّل إلى الحاضرين أنّها تسعى، ومثل الأوفاق التي تكتب لمقاصد التحبيب والتبغيض بين النّاس، ومثل غالب ما يجري في جلسات “تحضير الأرواح” في بلدان الحضارة الأوربية المعاصرة وجمعيات ما يُدعى بتحضير الأرواح. معالم الطريق في العمل الروحي الإسلامي ص96.
وبعد هذه البيّنات أقول:-
قد أغنانا الله سبحانه بالمحجّة البيضاء التي بيّنها سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه بسنّته السنيّة فعلمنا كيف نستثمر الأوقات بالبيّنات الواضحات من الأذكار والأوراد والتسبيحات، فهذه أسماء الله الحسنى قال عنها المولى جلّ جلاله:-
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف: 180].
وقال عنها سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وهذه أذكار الصباح والمساء قد زيّنت صدور الكتب والمؤلفات بما ينير المسالك ويطرد الظلمات فدونك إيّاها يا مَنْ تقصد رضوان خالق الأكوان وصحبة النبيّ العدنان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الفضل والعرفان فعلامَ تتركها إلى ألفاظ مبهمات غير واضحات، قريبة من تلك الدروب الضيّقات التي هي أقرب إلى المهلكات من المنجيات.
وقصارى ما يقال فيها:-
ربما هي ممّا كشف الله جلّ وعلا بعض خصائصها لخاصّةٍ من خلقه تكون لهم ولأحوالهم نافعة لا ينكر عليهم ولا يُقتدى بهم فيها.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 8].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.