22-8-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته حفظكم الله ورعاكم سيّدي من كلّ مكروه وأدامكم لنا سندًا.
السؤال: هل يجتمع حبّان في قلب واحد؟ حبّ الله تعالى مع مَنْ سواه.
الاسم: عثمان
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
إنّ المحبة ركن عظيم من أركان الإيمان، إذ لا بُدَّ أنْ ينبثق عن بوتقة الحبّ، لأنّه لا إيمان بدون محبّة، قال الحقّ جلّ جلاله:-
{— وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ —} [سورة البقرة: 165].
فربط بين الإيمان والمحبة، وبيّن أنّ حبّ المؤمنين لله جلّ جلاله أشدّ، وهذا يعني أنّ هناك حبّا أقلّ من هذا الحبّ الأشدّ الذي هو لله جلّ في علاه، لم يحرّمه أو ينهَ عنه.
وقال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فهذا الحديث الشريف يثبت بوضوح أنّه يمكن أنْ يوجد في القلب أكثر من محبوب، إذ ذكر محبة الله تعالى، ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، ومحبة المرء لشخص أو أكثر، ولم يمنعه بل جعله علامة على تذوّق حلاوة الإيمان، شريطة أنْ يندرج هذا الحبّ تحت هدايات (في سبيل الله جلّ في علاه)
فمحبة الوالدين لأولادهم أو العكس، ومحبة الزوج لزوجته أو العكس، ومحبة الشيخ لتلميذه أو العكس، كلّ ذلك محمود لأنّه ممّا شرّعه الله عزّ وجلّ وحضرة نبيّه المبجّل صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الكمّل، هذا في حبّ الذوات.
وهناك حبّ للأشياء أيضًا كحبّ المال مثلا، قال سبحانه:-
{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [سورة الفجر: 20].
لا مانع منه كذلك شريطة أنْ يوظّف لخدمة ما أراد الله جلّ ذكره، فهو القائل سبحانه:-
{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 92].
فإذا كانت هذه المحبّة للذوات أو الأشياء عائقة عن الأصل الذي هو محبة الله جلّ وعلا ومحبّة رسوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين أمست مذمومة، قال عزّ من قائل:-
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة: 24].
والخلاصة:-
لا بأس أنْ يجتمع حبّان أو أكثر في قلب العبد، إنْ كان هذا الحبّ موصلا أو متصلا بحب الله جلّ ثناؤه، أمّا إذا كان عائقا عن ذلك فلا.
والله جلّت قدرته أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة النبيّ المكرّم والرسول المعظّم سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.