25-8-2020
السؤال:
السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته.
قرأت في كتاب (الكبائر) للإمام الذهبي رحمه الله عزّ وجلّ ((ولو قال النصراني خير من المجوسي كفر)) أليس هناك فضل لأهل الكتاب على الوثنيين المشركين ولو في الدنيا؟ حيث يجوز التزوّج من نسائهم وأكل ذبائحهم؟ وجزاكم الله سبحانه وتعالى خيراً.
الاسم: عبد السلام أحمد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاكم الله سبحانه في ساحة هذا الموقع الأغرّ، الذي ينطلق في سيره من مشكاة الكتاب العظيم والسنّة المباركة.
يُعتبر المجتمع الإسلامي منفتحًا على الجميع، ويعيش فيه الكثير من الأشخاص الذين يختلفون في المعتقد الديني من أهل الكتاب من يهود ونصارى، وأتباع الديانات الأخرى، ولقد أوجب الإسلام احترام الآخرين، وخصوصيتهم، ومعاملتهم كإخوان في الإنسانية، دون إجبارٍ أو إكراه على دخول الإسلام.
وشعار الإسلام في هذا الخصوص قول ربنا تقدّست ذاته:-
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ —} [سورة البقرة: 256].
واحترام غير المسلمين في المجتمع الإسلامي واجبٌ يفرضه الإسلام وتفرضه الإنسانية، وحقوق التعايش.
وقد نظم الإسلام حقوق غير المسلمين وواجباتهم، وجعل حياة المسلمين مع غيرهم، حياةً منظمةً جدًّا، منذ عهد حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم حين نظّم المجتمع الإسلامي في المدينة بين اليهود والمسلمين، وأعطى كلّ شخصٍ حقوقًا، وكلّفه بواجبات.
وجعل القرآن الكريم القاعدة في التعامل مع غير المسلمين من غير المحاربين هي قوله جلّت عظمته:-
{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الممتحنة: 8].
لكنّنا في مجال العقيدة نرى أنّ ما عليه غير المسلمين هي عقائد قد حرّفت؛ لهذا لا يرى المسلم لأي ملّة أخرى خيرية في جانب العقيدة وهنا أذكر الجملة المشهورة: الكفر ملّة واحدة، فملل الكُفر مصيرها ومآلها واحد في الآخرة، فليس بعد الكفر ذنب، أي ليس هناك أعظم منه، وممّا لا شكّ فيه أنّهم لا يعنون بها أنّ الكفر درجة واحدة، بل هو درجات مختلفة؛ لأنّ الإيمان درجات يزيد وينقص، فكذلك الكفر درجات يزيد وينقص، قال عزّ مِن قائل:-
{إنّمَا النَّسِيْءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ —} [سورة التوبة: 37].
وهذه الجملة يذكرها الفقهاء رضوان الله تعالى عنهم وعنكم في باب الميراث: أي هل تتوارث الملل المختلفة فيما بينها أم لا؟ وهي مسألة خلافية بينهم.
إذنْ ملل الكفر تتفاوت قُربًا وبُعدًا، والله عزّ وجلّ فرّق بين بعض الكفار فقال -:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [سورة المائدة: 82].
وعبارة: الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ وَقَعَتْ فِي بعض كتب الفقه. البحر الرائق شرح كنز الدقائق ابن نجيم (3/225).
فلم يقولوا بكفر قائلها.
وعِلَّةَ الْإِكْفَارِ فيمَنْ جعلها كذلك هِيَ إثْبَاتُ الْخَيْرِ لِمَا قَبُحَ قَطْعًا لَا لِعَدَمِ خَيْرِيَّةِ إحْدَى الْمِلَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى.
وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ مِثْلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكِتَابِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجُوسِيِّ، لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْخَيْرِيَّةِ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ شَرًّا.
والظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَوَجْهَهُ: أَنَّ لَفْظَ خَيْرٍ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا كَمَا يُقَالُ فِي الْمِثْلِ: الرَّمَدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَى، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ
وَلَكِنْ قَتْلُ الْحُرِّ خَيْرٌ مِنْ الْأَسْرِ
والْعُلَمَاءَ قَدْ يَقُولُونَ هَذَا أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ أَقَلُّ ضَعْفًا وَلَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ .
فَالْقَوْلُ بِالْإِكْفَارِ مَبْنِيٌّ عَلَى إرَادَةِ ثُبُوتِ الْخَيْرِيَّةِ. ينظر: حاشية ابن عابدين رحمه الله تعالى (3/198) بتصرّف.
والله ربّنا أعلم، وبأسرار شرعه أحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة النبيّ محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، إلى يوم الدين.