20-9-2020
سؤالي هو كيف لله عزّ وجلّ أنْ يغضب ويتكلّم ويسمع ولديه يدان ووجه مثل البشر وأرجوك لا تستدل بآية ليس كمثله شيء.
من: مؤمن باسم نور
الرد:-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاك الله سبحانه في هذا الموقع المبارك، وأنعم علينا جميعا بالعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أخي الحبيب: بدءا فأرجو من جنابك الكريم أنْ يفهم أنّ آساس الاعتقاد مذكورة في كتاب الله جلّ وعلا وسنّة نبيّه المصطفى عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه أهل الصدق والوفا، وأنّ القران الكريم كتاب واحد، ذو موضوعية واحدة، ولا يجوز بتر النصوص عن بعضها البعض في فهم المسائل والأحكام، ومن هنا ظهر في علوم حضارة الإسلام كتب مشكل القرآن، ومشكل الآثار، وظهر علم التعارض والترجيح؛ للجمع بين النصوص التي يكون فيها إشكال من جهة ما، وهذه النصوص يُردّ بعضها إلى بعض وإلى الأصول العامة المستنبطة من شرع الله العظيم، فقول جنابك بعدم الاستدلال بقول الله الملك الديان تباركت ذاته:-
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ} [سورة الشورى:11].
قول مجانب للصواب، وسيربكنا في فهم النصوص، ما دمنا نؤمن بكتاب الله عزّ وجلّ وسنّة الحبيب المبجّل صلّى الله تعالى وسلّم عليه وصحبه الكُمّل، كمصدرين للتشريع في كلّ جوانب حياتنا اعتقادًا وسلوكًا وأحوالًا.
وسؤالك عن موضوع يتعلّق بالاعتقاد الذي نحن فيه أحوج ما نكون فيه إلى النصوص؛ ذلك أنّه يتعلّق بالغيبيات التي لا علم لنا بها إلا بإخبار الله جلّ شأنّه أو إخبار نبيّه الذي لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أهل التقى، فكيف إذا كان الموضوع يتعلّق بذات الباري تقدّست ذاته، نحن هنا أحوج ما نكون إلى إخبار من الذات نفسها؛ إذ ما عرف الله تعالى حقّ معرفته إلّا الله جلّت صفاته.
فلنعلم أنّ صفات الله تنزّهت ذاته منها ما لا يوهم التجسيم كالإرادة والعلم والحياة، فهذه نؤمن بظاهرها بأنّ لله تبارك اسمه حياةً وعلمًا وإرادةً، على ما يليق بذاته.
ومنها ما يوهم الأخذ بظاهره التجسيم للباري تقدّست صفاته، كاليد والاستواء — إلخ.
وأضع بين يدي جنابك الكريم ما يأتي:-
أوّلًا: ليس من شأن العوام الدخول في تفاصيل هذه المسائل المتخصصة في علم العقيدة، ويكتفى منهم بالإثبات الإجمالي لكلّ كمال لله جلّ في علاه، والنفي الإجمالي لكلّ نقص عن الله سبحانه، ولا تثار هذه القضايا أمامهم، حتى لا يقعوا في الشبهات التي تؤدي إلى تخلخل عقيدتهم في ذات الله جلّ جلاله.
ثانيًا: أجمع السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ الله جلّت قدرته يجب له كلّ كمال وجلال وجمال يليق بذاته المقدّسة، ويستحيل عليه كلّ نقص لا يليق بذاته العليّة، فالله سبحانه يستحيل عليه أنْ يتّصف بصفات المخلوق بأيّ وجه من الوجوه.
ثالثًا: هذه الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة تعدّ من قبيل المتشابه، وقد نهى الله جلّ وعلا عن تتبع المتشابه وترك المحكم، بل نرد المتشابه للمحكم، قال الحق عزّ كماله:-
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 7].
رابعًا: هذه الصفات لم تثبت لله تعالى من جهة العقل، وإنّما ثبتت بالخبر، فيُسلَّمُ بها وتُـمَرُّ كما جاءت، فلم يتكلّم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم بإثباتها على الحقيقة اللغوية، ولم ينكروها؛ إذ ظاهر الألفاظ لها معان معروفة في اللغة، وهذه الحقائق اللغوية تتنافى مع تنزيه الباري جلّ اسمه، وللعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فيها مذهبان:-
أوّلهما: تفويض المعنى لله عظمت ذاته، مع تنزيهه سبحانه عن المعنى الظاهر.
ثانيهما: التأويل على أحسن المحامل التي تليق بالله تعالى، وذلك على مقتضى لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم.
يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند تفسير قول الله عزّ من قائل:-
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [سورة البقرة: 210]:-
(والأولى في هذه الآية وما شاكلها أنْ يؤمن الإنسان بظاهرها ويكلّ علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أنّ الله عزّ اسمه منزّه عن سمات الحدوث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة، قال الكلبي: هذا من العلم المكتوم الذي لا يفسر، والله أعلم بمراده منه، وكان مكحول، والزهري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثوري والليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق، يقولون فيه وفي أمثاله: أمرُّوها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه أئمة الإسلام) تفسير البغوي (1/269).
كان هذا ما عليه جمهور السلف رضوان الله تعالى عنهم وعنكم، وقد لجأ المتأخرون من أهل الحق إلى التأويل، حين رأوا أنّ إثبات اللفظ ساء فهمه، وأصبح هو الإثبات للحقائق اللغوية، فأفضى عند بعضهم إلى القول بالجسمية ولوازمها حين فسّروا هذه الإضافات على ظاهرها، ممّا أوقعهم في التشبيه للباري، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا.
قال الإمام أحمد رضي الله سبحانه عنه:-
(هذه الأحاديث نؤمن بها ونصدق بها لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئا منه، ونعلم أنّ ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم حق، ولا نردّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا نصف الله بأكثر ممّا وصف به نفسه بلا حدّ ولا غاية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الشورى: 11]، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلّى الله عليه ومن والاه وسلّم وتثبيت القرآن، قال الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ، وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام، من غير تعرض لتأويله) لمعة الاعتقاد للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه ربّنا العلي (1/7).
وهنا أذكّر بأمر مهمّ جدًّا خصوصًا في هذا الزمان الذي جفّت فيه أشعة العقيدة في القلوب وهو:-
أنّ المسائل العقدية التي اُمرنا بالإيمان بها علاوة على أنّها منجاة للمرء في أخراه، فإنّه يجب أنْ تكون لها آثارها السلوكية في حياة المسلم، فالإيمان بها يحتم على الإنسان أنْ يعلم مثلا أنّه مراقب فتستقيم تصرّفاته بما يرضي ربّه جلّ ثناؤه؛ لأنّ الله سميع بصير، ولأنّ الله جلّ وعلا يغضب فيجب أنْ أبتعد عمّا يغضبه، ولأنّه تعالى يحب ويرضى فيلزم أنْ أعمل ما يحبه ويرضاه وهكذا، فتكون العقيدة بذلك حركة في المجتمع، وحياة في السلوك، لا مثارا للجدل وجمودا في الواقع.
خامسًا: من باب النصيحة كما قال الحقّ جلّ شأنه على لسان سيّدنا نوح عليه السلام:-
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف: 62].
أقول لجنابك الكريم:-
لقد أفصح القرآن الكريم عن حقيقة الإنسان فقال:-
{— وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 28].
وبسبب هذا الضعف كانت إمكاناته وقدراته بسيطة، وطاقات عقله محدودة، وبالتالي فإنّه عاجز أنْ يحيط بحقائق خلقه هو، فكيف بغيره من المخلوقات؟! ورحم الله جلّ وعلا القائل:-
دَوَاؤُكَ فِـيْـكَ وَلاَ تُـبْـصِـرُ *** وَدَاؤُكَ مِـنْـكَ وَلاَ تَـشْـعُـرُ
وَتحْسِبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ *** وَفِيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأَكْبرُ
فلو أبصر وتأمّل في خلق اللسان على سبيل المثال لا الحصر وقال: لِمَاذا يكون الكلام به لا بغيره من الأعضاء كاليد مثلا؟ هل يستطيع أنْ يدرك الحكمة من ذلك؟ لا، إلّا أنْ يقول: هذه إرادة الخالق جلّ جلاله، فما عليه إلّا الإذعان والاستسلام ليرتاح باله، ورحم الله تعالى سيّدنا عمرَ بن عبد العزيز إذ كتب إلى ولده وقد بلغه أنّه اتخذ خاتمَا من فضة:-
(أمّا بعد، فإنّه قد بلغني عنك أنّك اتخذتَ خاتمًا من فضة، فإذا وصلك كتابي فبعه واشترِ به طعامًا وأطعمه الفقراء، واتخذ خاتمًا من حديد وانقش عليه “رَحِمَ اللهُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ فَاسْتَرَاحَ”) فيض القدير (4/29).
فكيف يستطيع بعقله القاصر هذا أنْ يدرك عظمة الله جلّ في علاه؟ قال عزّ شأنه:-
{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الأنعام: 103].
سادسًا: لم يرد في نصّ من نصوص الشرع الشريف أنّ الله عزّ وجلّ سيسألنا عن فهم كيفيات صفاته العليّة، كيف يسمع؟ أو كيف يبصر؟ — إلخ، وبالتالي لا ينبغي أنْ نشغل أنفسنا بما لا نسأل عنه، بل يجب أنْ نهتمَّ ونعتنيَ بما سنسأل عنه، قال سبحانه:-
{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الأعراف: 6].
وقال:-
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الحجر: 92، 93].
وقال:-
{— وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة النحل: 93].
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1946) في هذا الموقع الميمون.
والله الأعلى تقدّست أسماؤه، المنزّه عن الأوهام أعلم.
وصلّ اللهمّ على أعرف النّاس بك، وخير مَنْ أوصلهم إليك، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم، ما سارت القلوب منك وبك وإليك.