2020-09-20
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم وأطال الله سبحانه وتعالى لنا وللمسلمين بعمرك المبارك مع الصحة والعافية والمعافاة الكاملة ونفعنا بكم في الدنيا والبرزخ والآخرة.
سيّدي رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم سؤالي هو: عن أذان الجمعة الأول الذي سنّه سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه وعنكم هل كان قبل دخول وقت الأذان الأصلي أم أنّ الأذان الأول كان عند دخول الوقت كما هو معلوم الآن لأنّ البعض سيّدي رضي الله تعالى عنكم يقول الأذان الأول كان قبل دخول الوقت فكيف تجعلونه عند دخول الوقت فما هو حكمه وكيف نرد على مَنْ يقول بأنّه يكون قبل دخول الوقت بساعة ولا يصح عند دخول الوقت.
وجزاكم الله سبحانه وتعالى عنّا وعن أمّة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم كلّ خير والقائمين على هذا الموقع المبارك الذي ننتفع به دائما.
من: خويدمكم
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاك الله عزّ وجلّ خير جزاء على دعواتك الطيّبة وأسأله جلّ وعلا أنْ يكرمك بمثلها وزيادة إنّه سبحانه سميع مجيب.
ممّا لا ريب فيه أنَّ الأذان كان في عهد سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وعهدي سيّدنا أبي بكر الصديق وسيّدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنهما، أذانًا واحدًا وذلك عندما يصعد الإمام على المنبر، فلمّا كان عهد سيّدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وكثر الناس رأى أنْ يضيف أذانا آخر ينبّه النّاس في الأسواق، وكان هناك سوق يسمّى الزوراء، فأمر أنْ يؤذّن في الزوراء، وممّا يدلّ على هذا حديث سيّدنا السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه فيما رواه الإمام البخاري رحمه الباري جلّ اسمه عن الإمام الزهري رحمه الله جلّ جلاله وعم نواله، إذ قال:
(سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ).
وسيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه عندما زاد هذا الآذان الثاني إنّما كان ذلك بحضور جمع من صحابة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، لم يثبت أنَّ أحدًا منهم أنكر على سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه، فكان هذا الأمر إجماعًا من صحابة سيّدنا رسول الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فيكون هذا الأذان مشروعًا بل سنّة سنّها لنا سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه، ونحن مأمورون أنْ نتبعه كونه أحد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، بتوجيه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فعَنْ سيّدنا عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ:-
(صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد عزّ شأنه.
ومنذ ذلك الحين والمسلمون يؤذنون أذانين.
وأمّا عن وقت الأذان الأوّل الذي سنّه سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه، فما عليه سواد الأمّة، وما نصّ عليه الفقهاء وهم الجمهور رحمهم الله جلّ وعلا يثبت أنَّ وقته يكون عند الزوال قبل خروج الإمام، وعللوا ذلك بأنَّه يكون للإعلام بدخول الوقت، ويكون الأذان الثاني بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر عملا بفعل سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه.
(قال القاضي عبد الوهاب في “المعونة”: للجمعة أذانان، أحدهما عند الزوال، وهو [الذي]، أُحْدث في زمن عثمان لما كَثُرَ الناس، واحتيج إلى زيادة في إعلامهم، والآخر عند جلوس الإمام على المنبر، قال: ويؤذن لها على المنار كما كان على عهد النبيّ عليه السلام —- ثمّ اختلفوا في الأذان المعتبر الذي يحرم عنده البيع، ويجب السعي إلى الجمعة، فقال الطحاوي: نقول: هو الأذان الذي عند المنبر بعد خروج الإمام، فإنّه الأصل الذي كان على عهد رسول الله، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر، فلمّا كثُر النّاس في عهد عثمان زادوا النداء على الزوراء، وهو الذي نبدأ به في زماننا) شرح أبي داود للإمام العيني رحمه الله عزّ وجلّ (4/426).
وممّا يدلُّ على ذلك أيضًا ما ذكره الإمام ابن حجر رحمه ربّ البشر عزّ شأنه في الفتح إذ قال:-
(— وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ) فتح الباري (2/394).
وما ذكره الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله جلّ جلاله في الشرح الكبير، قال:-
(— والنداء الأوّل مستحب في أوّل الوقت، سنّة عثمان رضي الله عنه وعملت به الأمة بعده وهو للإعلام بالوقت، والثاني للإعلام بالخطبة، والثالث للإعلام بقيام الصلاة) الشرح الكبير (2/188).
وما جاء في كتاب البناية شرح الهداية في معرض الحديث عن البيع عند أذان الجمعة ما نصّه:-
(والأصح أنّ المعتبر هو الأوّل أي الأذان الأول إذا كان بعد الزوال، لحصول الإعلام به) البناية شرح الهداية (8/216).
وفي المختصر الفقهي لابن عرفة رحمه الله سبحانه ما نصّه:-
(نقل القرافي عن ابن حبيب جواز أذان الجمعة قبل الزوال لا أعرفه؛ بل قول الشيخ عنه: يؤذن للصبح وحدها قبل الوقت، وقول ابن حارث: “اتفقوا على منعه قبل الوقت إلا للصبح”) المختصر الفقهي (1/218).
علما أنّ هذا الأمر كان معمولا به في مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة إلى ما قبل عهد الملك سلمان الحالي.
أمّا ما يفعله البعض من جعل الأذان الأوّل قبل الزوال بساعة أو نصف وهم أهل نجد ومن تبعهم، بحجة أنَّ فائدة التنبيه التي شرع لها الأذان تحصل بذلك، فهو مخالف لما عليه جمهور العلماء أوّلا، وثانيا أنَّ فائدة التنبيه متحققة إذ أنَّ المقصود حصول الأذان قبل صعود الخطيب المنبر بوقت كافٍ لتهيئ وحضور النّاس إلى المسجد، وهذا ممّا ينبغي أنْ يراعيه الإمام والخطيب في مسجده قبل خروجه من بيته وارتقائه المنبر وحسب حال مسجده في بلدته.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.