5-11-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي الحبيب.
أسأل الله تعالى لحضرتكم دوام الصحة والعافية وطول العمر.
سؤالي سيّدي الحبيب: ما مدى صحّة الفحص الطبّي المعروف (DNA) في المسائل الشرعية، وهل يتمّ الاعتماد عليه على اعتباره من المسائل القطعية؟ على سبيل المثال: إثبات النسب، أو ما يتعلق بالجنايات وغيرها؟
حفظكم الله تعالى سيدي الحبيب.
من: خادمكم أياد المساري
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاكم الله جلّ وعلا خيرًا على دعواتكم الصادقة الطيّبة وزيارتكم الميمونة لهذا الموقع الكريم، وبعد:-
فقد أحاطت الشريعة الإسلامية موضوع الأنساب ببالغ الرعاية والعناية، وجعلت المحافظة على النسب من مقاصدها الشرعية المهمّة، قال عزّ من قائل:-
{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب: 5].
كما إنّها شَرَّعت الأحكام المتعلّقة بهذا الموضوع من حيث تشريع الزواج وإثبات النسب وتحريم الزنا وغير ذلك.
ولقد استعملت العرب قديمًا القيافة لمعرفة النسب، والقيافة: إثبات النَّسَب بطريق الشَّبَه، فيقوم شخص عنده معرفة بالنسب برؤية الطفل ورؤية مَنْ يُراد الانتساب إليه، فيحكم بناءً على معرفته بأنّ هذا الطفل من ذاك الرجل أو لا.
ولقد أجاز حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم استعمال القيافة وطلبه حينما شكّ المشركون وطعنوا في نسبة سيّدنا أسامة مِنْ أبيه سيّدنا زيد رضي الله تعالى عنهما؛ وذلك لأنّ سيّدنا زيدًا كان شديد البياض وسيّدنا أسامة كان شديد السواد، فعن السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:-
(دَخَلَ عَلَيَّ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُوْرًا فَرِحًا مِمَّا قَالَ مُجزِّرٌ المُدْلِجيُّ وَنَظَر إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مُضْطَجِعًا مَعَ أَبِيْهِ فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَكَانَ مُجزِّزٌ قَائِفًا) الإمام ابن حبان رحمه الله الديان سبحانه.
فدلّ هذا الحديث الشريف على أنّه يجوز إثبات النسب بطريق القيافة، أي بطريق الشَّبَه.
أمّا في العصر الحديث فقد اكتشف العلماء البصمة الوراثية التي تستعمل في مواضيع إثبات النسب، واكتشاف الجثث المجهولة، أو في القضايا الجنائية، وهذا ينساب مع هدايات الشرع الشريف الذي دعانا إلى التفكّر وطلب وسائل العلم النافع للوصول إلى الحقائق المختلفة؛ قال جلّ جلاله:-
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة العنكبوت: 20].
ويمكن الوصول إلى حكم البصمة الوراثية بالنظر إلى كلام الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في وسائل إثبات النسب وتخريجها على (القيافة)، والإثبات بطريق (DNA) أولى بالحجية من (القيافة)؛ لاعتماد البصمة الوراثية على أسس علمية واضحة.
جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة (21-26/10/ 1422هـ) الموافق (5-10/1/ 2002 م):-
(إنّ نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة (من الدم، أو المنيّ، أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية (التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع).
وممّا هو معلوم أنّ إثبات النسب بالبصمة الوراثية لا يقدّم على وسائل الإثبات الأقوى منه كالفِراش؛ فلا يجوز البحث في نسب مَنْ كان معروف النسب، ومولودًا من فراش صحيح؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(لأنّ النَّسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره) مغني المحتاج للخطيب الشربيني رحمه الله عزّ وجلّ (3/304).
أمّا إثبات نسب الولد الناتج من علاقة غير شرعية فغير وارد باتفاق الفقهاء رحمهم الله سبحانه، حتى لو أثبتت فحوصات البصمة الوراثية نسبه إليه؛ لأنّ الزنا لا يصلح سببًا لثبوت النَّسَب؛ لقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(الوَلَدُ لِلفِرَاشِ وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ) متفق عليه.
والمراد بـ (الفِراش): أنْ تحمل الزوجة من عقد زواج صحيح، فيكون ولدها ابنًا لهذا الزوج، أمّا إذا زنت – والعياذ بالله تعالى – فإنّ الولد يُنسب لها دون زوجها، فيجب تعريفه بأمّه؛ لما بينهما من الحقوق المتبادلة كحقّ الميراث والحضانة وحرمة المصاهرة وغيرها من الحقوق.
والمراد بـ (العاهر): الزاني.
والحاصل أنّ إثبات النسب أو نفيه بالبصمة الوراثية يجب ألّا يُقدَّم على القواعد الشرعية، ولا وسائل الإثبات الأقوى منها، ولكن يجوز استخدامه في حالات التنازع على مجهولي النَّسَب، أو حالات الاشتباه بين المواليد، أو ضياع الأطفال واختلاطهم، ولا يصحّ إثبات نَسَبٍ لمعروف النَّسَب، ولا لمولود الزنا.
أمّا استعمال البصمة الوراثية في القضايا الجنائية فهو نافعٌ جدًّا، ويُسهّل عمل القضاء لنتائجه القطعية على أنْ لا يشوب عمل الأدلة الجنائية والقضاء والمحاكم الاحتيال والرشوة التي قد تعمل على تغيير النتائج؛ فتضيع الحقوق ويختفي العدل ويستمر الظلم ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى على النبيّ الرحيم وآله وصحبه أهل الفضل العميم وسلّم تسليمًا كثيرًا.