2020-11-17
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة شيخنا جزاك الله عنّا خير الجزاء وأسكنك وأسكننا الفردوس الأعلى من الجنّة مع حضرة الحبيب محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم السؤال:-
خادمكم موظف لدى دائرة حكومية ويوجد في الدائرة الحكومية تَمْرٌ هل يجوز الأكل منه؟ وإذا كان الجواب بلا يجوز، ما حكم مَنْ أكل منه؟ وشكرًا.
من: نذير يونس
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرًا جزيلا على هذه الدعوات الطيّبة، والمشاعر الصادقة التي تجسّد مظاهر الحبّ في الله جلّ جلاله وعمّ نواله، سائلا المولى القدير أنْ يكرمك بما هو أهله إنّه سبحانه بالإجابة جدير.
الأشجار المزروعة في الأماكن العامّة أو في مؤسسات الدولة هي من قبيل المال العام وعائداتها تعود إلى بيت المال.
وقد أجاز حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم الأكل من الشجر المملوك دون أنْ يتخذ خُبْنَة، أي لا يحمل منه في ثوبه، وكذلك ينطبق هذا الأمر على الزروع العامّة.
قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
وفي رواية أخرى قال:-
(إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلا يَتَّخِذْ خُبْنَةً) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.
والحائط: هو البستان الذي له سور وسياج.
والخُبْنَة: هي الجيبُ الَّذي يَكونُ في الثَّوبِ، أي لا يأخذ منه شيئًا في ثوبه.
وعن سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا أَتَيْتَ عَلَى رَاعٍ فَنَادِهِ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلّا فَاشْرَبْ فِي غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ، وَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ أَجَابَكَ وَإِلّا فَكُلْ فِي أَنْ لَا تُفْسِدَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ شأنه.
فدلّت هذه الأحاديث الشريفة على جواز أنْ يأكل الإنسان من ثمر غيره، دون أنْ يحمل معه، بشرط أنْ ينادي صاحبه ثلاثًا، فإنْ أجابه استأذنه، وإنْ لم يجبه أكل بالمعروف.
ولا يجوز له أنْ يخرج بالثمر خارج البستان كما جاء في الحديث الشريف عن سيّدنا عبَاد بن شرحبيل رضي الله تعالى عنه إذ قال:-
(أَصَابَتْنِي سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَفَرَكْتُ سُنْبُلًا فَأَكَلْتُ وَحَمَلْتُ فِي ثَوْبِي، فَجَاءَ صَاحِبُهُ فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: مَا عَلَّمْتَ إِذْ كَانَ جَاهِلًا، وَلَا أَطْعَمْتَ إِذْ كَانَ جَائِعًا -أَوْ قَالَ: سَاغِبًا- وَأَمَرَهُ فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي وَأَعْطَانِي وَسْقًا أَوْ نِصْفَ وَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
وقوله (سَنَة) أي فقرٌ أو حاجة، وساغبًا: أي جائعًا، وسقًا: مكيالٌ كان يُستخدم في ذلك الوقت ويُقدّر بستين صاعًا، فركه: أي أخرج الحبّ من قشره وأكله.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-
(قَالَ الإمَامُ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، يَأْكُلُ إذَا كَانَ جَائِعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَائِعًا، فَلَا يَأْكُلُ. وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَكِنْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ، لَمْ يَأْكُلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ شِبْهَ الْحَرِيمِ….
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بُرْدَةَ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ، فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بُرْدَةَ. قَالَ عُمَرُ: يَأْكُلُ، وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْكُلُ مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلَا يَأْكُلُ ثِمَارَ النَّاسِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ. وَلَا يَضْرِبُ بِحَجَرٍ، وَلَا يَرْمِي؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ….
فَإِنْ كَانَتْ مَحُوطَةً، لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهَا؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حَرِيمٌ، فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ، فَلَا بَأْسَ. وَلِأَنَّ إحْرَازَهُ بِالْحَائِطِ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ بِهِ، وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ) المغني (9/332).
والحاصل أنّه لا حرج في الأكل من الزروع والثمار الموجودة على الطرق، والتي لا ملك فيها لأحد، وكذلك الأكل من البساتين المملوكة، بالشرطين المذكورين آنفا.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله عزّ شأنه عند كلامه عن هذا الحديث الشريف وغيره في الباب بمعناه:
(وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ حَائِطِ الْغَيْرِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَاشِيَتِهِ بَعْدَ النِّدَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إلَى الْأَكْلِ أَمْ لَا؟ — وَالْمَمْنُوعُ إنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ) نيل الأوطار (8/176).
وفي كلّ الأحوال فإنّ صاحب الزرع يصل إليه ثواب مَنْ أكل من زرعه عَلِمَ بذلك أم لم يعلم.
قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-
(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) الشيخان رحمهما الرحمن جلّ وعلا.
وطالما أنّ هذا الثمر هو ضمن المؤسسة التي تعمل فيها فالأولى أنْ تستأذن من المسؤول أو المدير فهذا أقرب للتقوى.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وآله وصحبه أهل الفضل والمجد.