22-11-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كيف حالكم سيّدي أتمنّى أنّكم في أتمّ الصحّة والعافية؟
سيّدي هناك سؤال يدور في ذهني منذ مدّة ألا وهو:-
كيف نجمع بين أنّ ما يصيب المؤمن كلّه خير، وبين ما يصيبنا من شرّ فمن أنفسنا؟
وجزاكم الله خيرًا سيّدي وفتح عليكم 🌹
من: سائل
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
مرحبًا بكم في ساحة الإيمان واليقين من خلال هذا الموقع الكريم، وأسأل الله جلّ في علاه العافية لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إنّه سبحانه سميع مجيب.
أصل هذا السؤال مبني على نصوص وردت في الشرع الشريف، فما يتعلّق بالشق الأوّل -أي خيرية البلاء للمؤمن- فهذه حقيقة مبثوثة في ثنايا القرآن العظيم أكّدتها آيات كريمة عديدة منها:-
قال مالك الملك تعالت صفاته:-
{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [سورة النور:11].
فهذا الحدث العظيم الذي زلزل المدينة صلّى الله تعالى وسلّم على منوِّرها، سمّاه ربّنا خيرًا مع أنّه مسّ جناب حضرة رسول الله المعظّم صلّى الله تعالى عليه ومَنْ والاه وسلّم.
الخير والشرّ في هذه الحياة أمر نسبيّ، فليس فيها خير خالص ولا شرّ خالص، لأنّ الخير الخالص هو نعيم الجنّة، والشرّ الخالص هو عذاب النار.
يقول الإمام ابن العربي رحمه ربّنا جلّت رحمته:-
(قَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ حَقِيقَةَ الْخَيْرِ، وَأَنَّهُ مَا زَادَ نَفْعُهُ عَلَى ضُرِّهِ، وَحَقِيقَةُ الشَّرِّ مَا زَادَ ضُرُّهُ عَلَى نَفْعِهِ، وَأَنَّ خَيْرًا لَا شَرَّ فِيهِ هُوَ الْجَنَّةُ، وَشَرًّا لَا خَيْرَ فِيهِ هُوَ جَهَنَّمُ؛ وَلِهَذَا صَارَ الْبَلَاءُ النَّازِلُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ خَيْرًا؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مِنْ الْأَلَمِ قَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا، وَخَيْرُهُ وَهُوَ الثَّوَابُ كَثِيرٌ فِي الْآخِرَةِ؛ فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى سيّدتنا عَائِشَةَ -رضوان الله سبحانه عليها وعلى أبيها- وَمَنْ مَاثَلَهَا مِمَّنْ نَالَهُ هَمٌّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ شَرٌّ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ عَلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ، وَرُجْحَانِ النَّفْعِ فِي جَانِبِ الْخَيْرِ، وَرُجْحَانِ الضُّرِّ فِي جَانِبِ الشَّرِّ) أحكام القرآن (3/363).
وقال الحقّ جلّت مغفرته:-
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [سورة التوبة: 51].
فقال: لنا ولم يقل: علينا، لأنّ كلّ ما يصيب المؤمن هو له لا عليه حيث يؤجر عليه.
وقال العظيم تباركت أسماؤه:-
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 139].
فما كان مدعاة للحزن والانسلاخ فهو مذموم، وما كان مبنيًّا على صحّة الإيمان فهو خير.
وقد نصّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، صراحة على هذا المعنى بقوله:-
(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) الإمام مسلم عليه رحمة ربّنا المنعم.
وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَقْضِي اللهُ لَهُ شَيْئًا إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
فالمؤمنَ الكاملَ في الحالَينِ عَلَى خَيرٍ عِنْدَ اللهِ جلّت عظمته، فإِنْ أصَابتهُ نِعْمَةٌ، بَسْطٌ وَرَخَاءٌ في الرِّزْقِ وغيرِ ذلكَ يَشْكُرُ اللهَ عزّ كماله، وإنْ أصَابَتهُ ضَرَّاءٌ أيْ بليّةٌ ومُصِيبةٌ يصْبرُ ولا يَتسَخّطُ عَلى ربِّه عزّ شأنه بلْ يَرْضَى بقَضَائه، فيكونُ لهُ أجْرٌ بهذِهِ المصيبةِ.
ومن نماذج هذه الخيرية قول حضرة المعصوم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ما هطلت الغيوم:-
(مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) الإمام البخاري عليه الرحمة والرضوان.
فالخيرية محصورة في المؤمن فقط؛ لحسن تعامله مع ما يَرِد عليه من ألطاف الله جل ّجلاله، أو قضائه.
أمّا إذا لم يحسن التعامل فلا خيرية هنا، فالمومن إذا تعامل مع النِّعَم بالبَطَر والغفلة واستخدمها في معصية الله جلّ ثناؤه فهذا لا يكون خيرًا له، وإنْ تعامل مع بلاء الله عمّ نواله بالجزع والتسخّط ففعله هنا لا يكون خيرًا له.
أمّا ما يتعلق بالشقّ الثاني فهو قول ربّنا تنزّهت صفاته:-
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ —} [سورة النساء: 79].
وهي مسألة: أنّ الشرّ من أنفسنا، وهذه قاعدة قرآنية محكمة تكررت في عدد من المواضع منها:-
قال الحكيم الخبير تباركت ذاته:-
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [سورة الشورى: 30].
وقال جلّ اسمه:-
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 165].
فحاصل المعنى هنا:-
ما أصابك أيّها المؤمن من خصب ورخاء، وصحّة وسلامة، وغنى وفقر، وسرّاء وضرّاء، ونعمة ونقمة، فبفضل الله جلّ وعلا عليك وإحسانه إليك؛ وما أصابك من جدب وشدّة، وهمٍّ وغمٍّ، ومرض وسقم، فبذنب أتيته، وإثم اقترفته، وعمل كسبته، فعوقبت عليه.
وهنا نلمح أيضًا خيرية الابتلاء إذ هو يذكّرك بذنوبك لتتوب منها.
قال المهيمن تقدّس اسمه:-
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [سورة الانعام: 42].
فماذا كانت النتيجة بسبب سوء تعاملهم وعدم فقههم لمراد الله جلّ في علاه من البلاء؟ اقرأ معي قول الجبّار المنتقم:-
{فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [سورة الأنعام: 42 – 44].
إنّ الحسنة والسيّئة كلتاهما بتقدير الله تعالى، وهذا معنى قوله تباركت ذاته:-
{قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ —} [سورة النساء: 78].
لكنّ الحسنة سببها التفضل من الله عزّ وجلّ على عباده، وهذا معنى قوله تقدّست صفاته:-
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ —}.
أمّا السيئة فسببها فعل العبد، وهذا معنى قوله جلّت قدرته:-
{وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ —}.
أي بسبب فعلك، فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا إلى مُقدِّره، أمّا إضافة الحسنة والسيئة إلى الله سبحانه فهي من باب إضافة الشيء إلى مقدِّره وموجده.
وحاصل الجواب:-
أنّ الخيرية مرتبطة بحسن التعامل مع ألطاف الله جلّ جلاله بالشكر، ومع بلائه بالصبر، ومع الذنوب بالتوبة والرجوع إليه، وإنْ كانت مقدرّة عليه بسبب سوء فعله، ولا يظننّ المسلم أنّ الخيرية صكّ معطى مع إطلاقه العنان لنفسه، قال الملك عزّ جاره:-
{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِيْنٌ} [سورة الطور: 21].
والله جلّ شأنه أعلم، وبأسرار أفعاله أحكم.
وصلّ اللهمّ وسلّم على محطِّ رحماتك العليّة على سائر البرية، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه، الذين نالوا بصحبته الخيرية.