2020-11-24
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وجزاكم الله تعالى على هذا الموقع المبارك سيّدي قرأتُ حديثا يقول صلى الله تعالى عليه واله وصحبه وسلم (ما من أمّة إلّا وبعضها في النّار وبعضها في الجنّة إلا أمتي فإنّها كلّها في الجنة) فما صحّة هذا الحديث وما معناه إنْ كان صحيحًا؟ وجعلنا الله تعالى ببركة دعائكم من أهل الجنة آمين وشكرا جزيلا سيدي
 
من: همام طالب
 
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الباري عزّ شأنه أنْ يجزيك خيرًا على دعائك الكريم وتواصلك القيّم مع هذا الموقع الذي يغرس في قلوب مرتاديه مبادئ التربية والتزكية ويوجهها إلى ربّ البرية جلّ جلاله وعمّ نواله.
إنّ الحديث الشريف الذي ذكرته في سؤالك رواه الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ عن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين قال:-
(مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَبَعْضُهَا فِي النَّارِ، وَبَعْضُهَا فِي الْجَنَّةِ، إِلَّا أُمَّتِي فَإِنَّهَا كُلَّهَا فِي الْجَنَّةِ).
وهذا الحديث الشريف حكم عليه بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بالضعف بسبب ظنّهم أنّ أحمد بن محمد، وهو أحد الرواة الوارد ذكرهم فيه، أنّه المصريّ وهو ضعيف، لكنّ الذي جاء ذكره في السند هو الإِمام أبو بكر أحمد بن محمد المروزي البغداديّ الفقيه الحنبلي صاحب الإِمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا وهو ثقة.
والحاصل أنّ رجال سند هذا الحديث الشريف كلّهم ثقات وبالتالي لا إشكال فيه.
وحكم عليه بعضهم بالضعف بسبب استنكارهم لمتنه، إذ مفهومه أنْ لا يُعذَّبَ أحدٌ من أمّة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وهذا يتعارض مع بعض النصوص التي تبيّن أنّ أهل الكبائر يعذّبُون.
وهذا الإشكال يمكن إزالته بما يلي:-
1- المراد بالأمّة هنا مَن اقتدى بحضرته صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه كما ينبغي، وأنّ الله جلّ في علاه اختصّ هذه الأمّة من بين الأمم بعنايته ولطفه ورحمته كرامة لسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ كَثِيرٍ رحمه السميع البصير جلّ جلاله:-
(وَإِنَّمَا حَازَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَصَبَ السَّبْق إِلَى الْخَيْرَاتِ بِنَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ أشرفُ خَلْقِ اللَّهِ، أَكْرَمُ الرُّسُلِ عَلَى اللَّهِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كَامِلٍ عَظِيمٍ لَمْ يُعْطه نَبِيًّا قَبْلَهُ، وَلَا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ. فَالْعَمَلُ عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ، يَقُومُ القليلُ مِنْهُ مَا لَا يَقُومُ العملُ الكثيرُ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِمْ مَقَامَهُ) تفسير القرآن العظيم (2/94).
2- أنّ مصير كلّ مَنْ كان من أمّة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين إلى الجنّة، حتى وإنْ دخل النّار فإنّه لا يخلد فيها.
3- المقصود بالأمّة هنا الغلبة والكثرة باعتبار أنّ أكثر أهل الجنّة منها، فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(بَيْنَمَا هُوَ ذَاتُ يَوْمٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ، إِذْ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ قُبَّةٍ لَهُ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكُفَّارِ كَالْبَقَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِيهَا الشَّعْرَةُ السَّوْدَاءُ، أَوْ كَالْبَقَرَةِ السَّوْدَاءِ فِيهَا الشَّعْرَةُ الْبَيْضَاءُ) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن جلّ ذكره.
وَفِي قَوْلِهِ سبحانه:-
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 110].
قَالَ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
ويمكن أيضًا أنْ يُحمل الحديث الشريف على ظاهره وذلك لما ورد في بعض النصوص المباركة أنّ الله جلّ جلاله جعل عذاب هذه الأمّة في الدنيا وذلك بما يصيبها من أذى وكوارث، قال صلّى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-
(أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
وقال:-
(عَذَابُ أُمَّتِي فِي دُنْيَاهَا) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.
وهذا ما أرجّحه.
والله جلّت صفاته أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على النبيّ المكرّم، والرسول المعظّم، والحبيب المفخّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.