02-12-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي الحبيب.
أسأل الله العظيم لحضرتكم الصحة والعافية وطول العمر إنْ شاء الله تعالى.
سؤالي سيّدي الحبيب هو: رأي حضرتكم بمّا يسمّى (قانون العنف الأسري) الذي يراد تشريعه في العراق؟
حفظكم الله تعالى.
 
من: خادمكم أياد المساري
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركم كثيرا على تواصلكم مع هذا الموقع الكريم، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكم لما يحبّ ويرضى، وبعد:-
فقد اطلعت على مُسْوَدَّة قانون العنف الأسري المزمع تشريعه في العراق، فوجدته منقوصًا لا يفي، ولا أريد أنْ أناقش فقراته كلّها وإنّما أذكر بعض المثالب:-
1- ابتدأ القانون بكلمة (باسم الشعب) وكان المفروض أنْ يبدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) باعتبارنا دولة مسلمة شرّفنا الله عزّ شأنه بهذا الدِّين، قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ – أَوْ قَالَ: أَقْطَعُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
2- عُرِّفَ العنف الأسري بأنّه:-
“كلّ فعل، أو امتناع عن فعل، أو التهديد بأيّ منهما، يرتكب داخل الأسرة، يترتب عليه ضرر مادي أو معنوي”.
وهذا كلام عام يحتاج إلى تفصيل كي لا يوصف كلّ تصرّف بالعنف، فتنظيم علاقات المجتمع له ضوابطه في شرعة الإسلام من حيث العفّة والطهارة ومنع العلاقات المحرّمة خارج إطار الزوجية، فهل يراها القانون الجديد تضييقا على المرأة، ومن ثَمَّ وصفُ مَنْ يطالبُ الالتزام بها بالعنف؟ باعتبار أنّ التحلّل منها أمرٌ مشاعٌ في الحضارة الغربية.
3- ختم القانون بهذا النصّ:-
“ونظرًا لكون العنف ضدّ المرأة يعدّ شكلا من أشكال التمييز، وانتهاكًا لحقوق الإنسان، والتزاما بالصكوك والمعاهدات والمواثيق الدولية، التي صادق عليها العراق، وانسجامًا مع ميثاق الأمم المتحدة والقرارات الأممية، وسيرًا على خطى مبادئ المجتمع الدولي، وتنفيذًا لأحكام المادة (29) من الدستور شرّع هذا القانون”
فلم يرد ذكر الشريعة الغرّاء مع أنّها استوعبت كلّ شيء يتعلّق في الحياة الأسرية، وما من شريعة أو قانون في الوجود ضَمِنَ الحياة الكريمة للأسرة بشكل عام، والمرأة بشكل خاص كشريعة خير الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فكم سورة في القرآن الكريم جاء فيها ذكرٌ للأحكام المتعلقة بالنساء؟ والأحاديث الشريفة الواردة في ذلك أكثر من أنْ تحصى.
قال الحقّ جلّ جلاله:-
{— وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [سورة النساء: 19].
وقال:-
{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة النساء: 129].
وقال حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في حجة الوداع:-
(أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ —) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
وقال:-
(لَا يَفْرَكْ (أي يبغض) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ، أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
ومِنْ ثَمَّ قام علماء الإسلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم بواجبهم فاستنبطوا من هذه الأصول فروعًا كثيرةً وضعوها في مؤلّفاتهم التي أصبحت دستورَ الأمّة، ووجّهَتْهَا إلى صور رائعة من التكافل والتعاون والمحبّة والتراحم، ويطيب لي أنْ أروي عن حضرة شيخي وأستاذي حضرة الشيخ الدكتور عبدالله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:-
(عَرَضْتُ عَلَى حَضْرَتِهِ مُشْكِلَةَ أُسْرَةٍ فِيْهَا امْرَأَةٌ حَامِلٌ؛ فَاعْتَصَرَ قَلْبُ حَضْرَتِهِ مِنَ الأَلَمِ ثُمَّ قَالَ لِي: هَلْ تَعْلَمُ يَا وَلَدِي أَنَّ المَرْأَةَ الحَامِلَ فِي عَصْرِ السَّعَادَةِ كَانَتْ تُخْدَمُ وَلَا تُكَلَّفُ بِأَيِّ شَيْءٍ).
وإنّي لأعجب أنْ تشرّع هكذا قوانين بعد أنْ أغنانا الله جلّ في علاه عنها بما أكرمنا به من شريعة وصفها بقوله:-
{— الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا —} [سورة المائدة: 3].
وقوله:-
{— وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل: 89].
وَعَنْ سَيِّدِنَا الْعِرْبَاضَ بْنِ سَارِيَة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، فمَنْ يَعِش مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ —) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ شأنه.
نَعَمْ عَجَبًا لقوم عندهم هذه الكنوز النادرة ثمّ يولون وجوههم مُشَرِّقِيْنَ ومُغَرِّبِيْنَ، وتزداد عجبًا يا رعاك الله تعالى بأنّهم أصحاب منهاج إسلامية يريدون الحكم بها.
ولمزيد اطلاع وفائدة أرجو مراجعة باب الحياة الأسرية والاجتماعية في هذا الموقع المبارك.
أسأل الله جلّت صفاته أنْ تسمو أمّتنا بالتمسّك بالشرع الشريف في جوانب حياتها كلّها لتعود لها عزّتها وقوّتها وسعادتها وريادتها للعالم.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى على حضرة النبيّ الأمين، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.