3-12-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نسأل الله عزّ وجلّ وبجاه سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، أنْ يمنّ عليكم بموفور الصحة والعافية ونظلّ على نهج جنابكم لآخر نفس في هذه الدنيا.
نطلب سيّدي الشيخ توجيهكم حول مَنْ رزق ببنات فقط، واجتهد طبيًّا وعلاجيًّا وماليًّا بأحدث الوسائل ليرزق بذكر بدون نتيجة تذكر لأسباب متنوعة تتعلّق بالزوجة.
الزواج الثاني حلّ متعب وله تأثيرات كثيرة، وبقاء الوضع كما هو أيضًا متعب أكثر، ليس سهلاً على الإنسان أنْ يرى النّاس ترزق بأولاد ويقرّر أنْ يغلق شجرة نسله، ويظل تحت رحمة مجتمع ذكوري متناقض لأنّ مجتمعاتنا تنظر بعين الشفقة والحزن على مَنْ رزق بالبنات، ويفرحون بالعزوة والسند والولد، وبنفس الوقت يطلب منك أنْ تصبر لأنّ البنت أحنّ وتكون عونًا لأهلها -وهو صحيح-، البنات يحتاجون إلى مَنْ يحميهم ويرعاهم بعد موت الأب، ولا يطمع بهم أحد. وهذا يحتاج إلى زواج ثاني، مع ضرره المتوقع.
حاولت شرح مختلف جوانب الأمر لعلها تعطيك صورة واضحة، ونستفيد من علم حضرتكم وتوجيهكم وخبرتكم بالحياة الاجتماعية، وجزاكم الله خيرًا.
من: سائل
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله عزّ وجلّ، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وزادكم من فضله زيادة تتمّ بحمدها الصالحات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الأغرّ، وبعد:-
إنّ الإنجاب يرجع في المقام الأوّل إلى تقدير الخالق سبحانه القائل:-
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [سورة الشورى: 49، 50].
وقد ذكر العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بأنّ الآية الشريفة بدأت بذكر الإناث لفضلهنّ وعظيم أجر تربيتهنّ ورعايتهنّ، ولكم أنْ تتصوروا الفضل العظيم في هدايات قول النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم:-
(مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وهل هناك مقام أفضل من مقام القرب في أعالي الجنان من خير خلق الله سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا المتفضّل بقوله:-
(مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.
ابتُلي في الحديث الشريف يعني اختُبِرَ وفيه إشارة إلى ما كان عليه النّاس إبّان مبعثه الكريم إذ كانوا يستثقلون البنات، ويفرحون بالذكور، فقال:-
(مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ …).
لأنّ البنت أكثر مئونة من الولد، والبنت يُحمل همّها وهي صغيرة لأنّها ضعيفة، ويُحمل همّها وهي كبيرة، إنْ لم تتزوج فأبوها يؤرقه شأنها، هل ستبقى هذه البنت بعده، متى تتزوج؟ متى يراها سعيدة ودائماً يفكر في هؤلاء البنات، يفكّر إذا مات ما الذي سيحصل لهنّ؟ وإذا تزوّجت فلربما يزداد العناء معها إذا لم تقترن بمَنْ يخاف الله جلّ جلاله فيها، فتجد والدها يحوطها ويرعاها، فإذا وقعت في يد مَنْ لا يخاف الله تباركت أسماؤه صارت همًّا يسيطر ويستحوذ على قلبه المنكسر، وإذا رزقت بالأولاد فإنّهم بمنزلة أولاده، يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، وما إلى ذلك.
فلا شك أنّ الأب يحمل هموم البنات بأعظم من حمل همّ الأبناء الذكور، وهذا شيء لا ينكر، وقد تكون من أحسن النّاس، ومن أتقى النّاس، ومع ذلك قد لا توفّق للزواج أصلًا، وتبلغ الأربعين والخمسين، ولم تتزوج لا لعيب فيها إلا أنّ الله سبحانه لم يقدّر لها ذلك، فتبقى همًّا لأبيها ولأمّها وهكذا، فلذلك قال النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ).
وهذا تغيير لمفاهيم أهل الجاهلية الذين كانوا يئدون البنات، قال تعالى:-
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة النحل: 58، 59].
وينبغي للمسلم أنْ يُخالف مفاهيم الجاهلية ويتبرأ منها، ويتأمّل في حكاية امرأة سيّدنا عمران عليهما السلام التي ذكرها القرآن الكريم:-
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران عليهم السلام : 35 – 37].
فعلى المفهوم الشائع تطلّعت امرأة سيّدنا عمران عليهما السلام لولدٍ ذكرٍ كي يقوم على خدمة بيت الله عزّ وجلّ، فلمّا وضعتها أنثى أصابها الحزن لاعتقادها بأنّ الفتاة لا تقوى على ما يقوى عليه الشباب، ولكن الله عز شأنه أكرمها وجعل لها شأنًا عظيمًا كما هو معلوم.
ولا ننسى أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، ما ترك ولدًا ذكرًا، وكان نسله الشريف المنتشر في الأرض من ابنته السيّدة فاطمة عليها السلام.
أمّا علميا فقد أثبتت الأبحاث أنّ الزوج هو المسئول عن عملية تحديد الجنس حيث ينتقل إلى الجنين (46) كروموسومًا، منها (23) من الأب ومثلهم من الأم، ومن ضمنها واحد منوط بعملية الجنس، يكون في الذكر (xy)، بينما في الأنثى (xx)، فإذا انتقل (x) من الذكر أصبح الناتج (xx) وجاء المولود أنثى، وإذا انتقل (y) من الذكر أصبح الناتج (xy) فيكون الجنين ذكرًا بإذن الله تعالى.
وعلى كلّ حال أدعو جنابك بالرضا لحكم المولى تبارك اسمه وشكره على ما أنعم، فكم من النّاس يرجون بنتا واحدة ولكنّهم ابتلوا بالعقم ومع ذلك تجد فيهم الشاكر الصابر، ومنهم من ينفق أموالا طائلة، وربما يسافر إلى بلدان بعيدة ليرزق بأي مولود ذكر أو أنثى.
وينبغي أنْ لا تيأس من رحمة الله تقدست أسماؤه، والزم الاستغفار؛ فقد قال جلّ وعلا وهو أصدق القائلين:-
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [سورة سيّدنا نوح عليه السلام: 11، 13].
ويطيب لي أنْ أذكر هذه القصّة من الأدب الإسلامي:-
أنّ امرأة أبي حمزة الضبّي هجرها زوجها ولجأ إلى خيمة جيرانه يبيت فيها فرارًا من زوجته التي ولدت له بنتًا، فأنشدت قائلة:-
مَا لِأَبِي حَمْزَةَ لَا يَأْتِـيْـنَا *** يَظَلُّ فِي البَيْتِ الّذِي يَلِـيْـنَا
غَضْبَانَ أَنْ لَا نَلِدَ البَنِيْنَا *** تَاللهِ مَـا ذَلِـكَ فِـي أَيْـدِيْـنَــا
وَإِنَّمَا نَأْخُـذُ مَا يعْـطِـيْـنَـا *** وَنَحْنَ كَالأَرْضِ لِزَارِعِيْنَا
نُنْبِتُ مَا قَدْ زَرَعُوْهُ فِيْنَا
فلمّا بلغه ذلك عنها رجع إليها واعتذر لها.
أسأل الله عزّ كماله لكم التوفيق والسداد، وهو أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.