11-12-2020

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حضرة سيّدي الشيخ سعد الله البرزنجي أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم جلّ شأنه وعلا مجده أنْ يطيل عمركم ويجزيكم عنّا خير الجزاء ويبارك لكم في حياتكم وينفع بكم البلاد والعباد ويعلي بكم كلمته في الأرض.

سؤال: هل تنصحون حضرتكم السالك الجديد بالزواج إذا كان قد بلغ العمر المناسب أم بالتريث؟

والسلام عليكم وشكرا جزيلا لكم.

 

من: محمد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم الله عزّ وجلّ، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وزادكم من فضله زيادة تتمّ بحمدها الصالحات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الميمون، وبعد:-

فإنّ الزواج مشروعٌ مبارك عظيم فيه ثمرات نافعة عديدة للفرد والأمّة، قال جل شأنه:-

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].

والزوجية سُنة كونية، قال الله ربّ البرية:-

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [سورة الذاريات: 49].

وإنّ الحكم الشرعي للزواج يصل إلى درجة الواجب حينما يمتلك الشاب الإمكانية البدنية والمادية وخاف على نفسه الوقوع في الزنا؛ قال الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وهو سُنّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ كما قال سبحانه:-

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [سورة الرعد: 38].

فلا يُستحسن للشاب إذا كان قادرًا على الزواج أنْ يتأخّر عنه، بل تنبغي المبادرة إليه؛ لِمَا فيه من المصالح الكثيرة، فمنها إدخال السرور إلى قلب الحبيب سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، فإنّ حضرته سيفاخر بكثرتنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأمم يوم القيامة؛ قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ) الإمام أبو داود رحمه المعبود جلّ جلاله.

وفي رواية أخرى قال:-

(تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الإمام أحمد رحمه الله الممجد عزّ شأنه.

وهو نصف الدِّين كما أخبر سيّد المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين إذ قال:-

(إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدْ كَمُلَ نِصْفُ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ ذكره.

ولا يخفى على جنابكم أنّ في الزواج خيرًا كبيرًا؛ والمسلم مأمور بالمسارعة في الخيرات مقتديًا بالأنبياء والصالحين من عباد الله تعالى عليهم أفضل الصلاة والتحيات، قال الله جل جلاله وعم نواله:-

{— وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 114].

وينبغي العلم بأنّ الله عزّ شأنه يخلق للإنسان في كلّ فترة من عمره ما يحتاجه؛ فالطفل مثلا ليست له أسنان في فترة حاجته إلى رضاعة الحليب، فلمّا يبلغ مبلغًا يحتاج فيه إلى الطعام تظهر أسنانه، وهكذا لمّا يبلغ الإنسان وتترسخ حاجة الزواج في تكوينه الإنساني سيكون أهلا للزواج، وهو في هذه المرحلة أفضل لأنّه يُلبّي حاجة فطرته البشرية.

صحيح أنّ الحياة تعقّدت والأمور تأزّمت -نسأل الله تعالى العافية- ولكن هذا هو الأصل، وبالتالي فإنّ على الأهل أنْ يُسهموا بإيجابية وسخاء في إنشاء هذا المشروع وانجاحه، خصوصا في حالة ضعف الحال المادي لولدهم كونه في مقتبل العمر، أفرأيت إنْ أصابه مرض عضوي ما -لا قدّر الله جلّ وعلا- أفلا يبذلون في تطبيبه الغالي والنفيس؟

هكذا فإنّ عدم مساعدته في الزواج وهو بحاجة إليه يدفعه إلى ضرر روحي ونفسي وجسدي كبير، وقد يخسر المرء به الدنيا والآخرة -عياذا بالله سبحانه- قال الله عزّ وجلّ:-

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [سورة الحج: 11].

وهنا يتجلّى مرّة أخرى أثر التربية الروحية للوالدين والأبناء الذين سيتفاعلون بيقين صادق مع قوله تبارك في علاه:-

{— إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: 32].

وهذا التوجّه المبارك يحتاج إلى تآزر المجتمع كلّه أفرادًا ومؤسسات مجتمع مدني أو حكومي، وعندئذ فإنّ الله سبحانه سييسّر السُّبُل، ويُهيئ موجبات النجاح لمشاريع الزواجات الفتيّة، وحينئذ لا نرى شخصًا بلغ الثلاثينيات أو الأربعينيات من عمره دون زواج.

ومن الضروري أنْ أؤكد أنّ المبادرة بالزواج لا تمنع من حُسن اختيار الزوجة والتثبت والاحتياط قبل العقد عليها، ومن الأخذ بالأسباب المشروعة والتوكّل على الله تعالى واستحداث النيّات الصالحات لهذا المشروع المبارك؛ فهو حري أنْ يوفّق بينهما؛ ويبارك لهما؛ فالحرص على اختيار الزوجة الصالحة والتأني في ذلك، وعدم التعجل مطلوب بلا ريب، لأنّ الزواج عقد عُمر يدوم الضرر فيه -لا سمح الله تعالى- ويستمرّ النفع والخير في الدنيا والبرزخ والآخرة، وهذا ما أرجوه لشبابنا وبناتنا لتعود لحضارة الإسلام عزّتها وقوّتها وريادتها للعالم بإذنه جلّت قدرته.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (522) في هذا الموقع المبارك.

والله تقدست أسماؤه أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى على أشرف من زوّج وتزوّج سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أبواب الفرج وسلّم تسليمًا كثيرًا.