2020-12-15
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي حضرة الشيخ المبارك رضي الله تعالى عنكم وجزاكم عنّا خير الجزاء وبموقعكم المبارك أرجو من الله سبحانه وتعالى أنْ تكونوا بأفضل حال وجعلكم الله عزّ وجلّ ذخرًا لنا وللمسلمين سيّدي حضرة شيخي الكريم لديّ سؤال ما مدى صحة الراوية وعلى ماذا يدلّ:-
عن أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ تعالى عنها قالت:-
“كنتُ قاعدةً أغزلُ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يخصفُ نعلَه، فجعل جبينُه يعرقُ وجعل عرقُه يتولَّد نورًا. فبُهِتُّ.
فنظر إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: «ما لك يا عائشةُ بُهِتِّ؟»
قلتُ: جعل جبينُك يعرَقُ، وجعل عرَقُك يتولَّد نورًا، ولو رآكَ أبو كبيرٍ الهُذَليِّ لعلم أنك أحقُّ بشِعرِه.
قال: «وما يقول أبو كبيرٍ؟»
قالت: قلتُ: يقول:
وَمُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ *** وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغَيِّلِ
فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ *** بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ الْمُتَهَلِّلِ
قالت: فقام النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقبَّل بين عينيَّ، وقال: «جزاكِ اللهُ يا عائشةُ عنّي خيرًا ما سُرِرتِ منِّي كسُروري منكِ».”
تهذيب الكمال (18/276).
مع فائق تقديري
 
من: إيسان حميد
 
 
الردّ:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
من دواعي فرحي أنّكم متابعون لهذا الموقع المبارك، وأحبّ أنْ أشكر جنابكم الكريم على هذه المحبّة، والدعوات المباركة، وأسال الله جلّت قدرته أنْ يمنّ عليكم بالتوفيق والسداد إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه، وبعد:-
فممّا يسرّ قلبي أنْ يكون أحبابي على تثبّت كامل ممّا يسمعونه ويصلهم في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها ممّا ينسب من الروايات إلى حضرة سيّد السادات، عليه من الله تعالى أزكى السلام والصلوات، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والخيرات، وسؤالكم هذا يدلّ على حرصكم فجزاكم الله سبحانه كلّ خير، وزادكم والمسلمين علمًا وتثبّتًا.
أمّا الجواب ففيه محوران:-
الأوّل:- الحكم على هذه الرواية:-
أسندها أئمةٌ كُثرٌ منهم الإمام البيهقي رحمه الله جلّ في علاه فرواها بسنده إلى الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه، قال:-
(أخبرنا عمرو بن محمد، قال أخبرنا أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها فذكرت هذه الرواية الشريفة) السنن الكبرى (7/423) برقم (14948).
فرجالها رجال الصحيح غير الإمام أبي عبيدة معمّر بن المثنى رحمه الله جلّ جلاله، بمعنى أنّهم ممّن روى لهم الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا في الصحيح، أو الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه، أو كلاهما، ومَنْ كان هذا شأنه فقد تجاوز القنطرة فهو مقبول الرواية.
وأمّا الإمام أبو عبيدة رحمه الله تعالى فهو مقبول الرواية أيضا:-
فقد وثّقه الإمام ابن حبان رحمه الرحمن تبارك اسمه في كتاب الثقات (9/196).
والإمام علي بن المديني رحمه الله جلّ جلاله كما في تهذيب الكمال (28/318).
ووصفه الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّت صفاته في كتاب التقريب (ص541).
بأنّه صدوق؛ أي حسن الرواية.
فعُلِمَ بهذا أنَّ رجال هذا السند كلّهم ممّن تقبل روايته.
وهذه الرواية الشريفة ممّا تفرّد به الإمام أبو عبيدة رحمه الله تعالى، بمعنى أنّها لم تُرْوَ إلّا من طريقه، ولا يضرُّ تفرّدُه لأنّ ممّا هو معلوم عند أهل الحديث الشريف رحمهم الله سبحانه أنْ تفرّد الثقة بالحديث لا يقدح في صحّته وهذا ما رجّحه الحافظ ابن الصلاح رحمه الله الفتاح عزّ شأنه في مقدمته المباركة (ص77).
وأمّا الحافظ الذهبي رحمه الله عزّ وجلّ فقد قال عن هذه الرواية:-
(هُوَ حَدِيْثٌ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَادِ) المهذب في اختصار السنن الكبير (6/3024).
فلعلّ هذا الحكم -والله تعالى أعلم- على مذهب مَنْ يرى أنّ ما تفرّد به الثقة غير مقبول، وهو مذهب لبعض علماء الحديث الشريف رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
والذي عليه جمهورهم قبولها كما قرّره الحافظ ابن الصلاح رحمه الله جلّ جلاله في مقدمته النافعة.
فظهر لكم بهذا أنّ الرواية صحيحة مقبولة.
المحور الثاني: دلالة الحديث الشريف؟
يدلّ صراحة على سرور سيّدنا خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين بما يُذكر من شمائله الشريفة، فهو القائل:-
(جزاكِ اللهُ يَا عائشةُ عنّي خيرًا ما سُرِرتِ منِّي كسُروري منكِ).
وفيه استحباب إنشاد المديح بين يديه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، وفي مجالس أهل الفضل.
والثناء على سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، أصلٌ أصيل من أصول الدين الحنيف فقد أثنى المولى العظيم على رسوله الكريم صلّى وسلّم عليه البرّ الرحيم وآله وصحبه أهل الفضل العميم في آيات كثيرة من الذكر الحكيم منها قوله جلّ جلاله وتقدّس وجهه الكريم:-
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ} [سورة القلم: 4].
وقوله عزّ شأنه:-
{لقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَءوفٌ رَحيمٌ} [سورة التوبة: 128].
وقوله جلّت صفاته:-
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [سورة النجم: 17، 18].
وأوجب سبحانه على عباده المؤمنين تعظيم حضرة خاتم النبيين صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه أجمعين، فقال عزّ من قائل:-
{لِتُؤمِنوا بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَتُعَزِّروهُ وَتُوَقِّروهُ وَتُسَبِّحوهُ بُكرَةً وَأَصيلًا} [سورة الفتح: 9].
وذكر سيّدنا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بعض شمائله الشريفة فقال:-
(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَلَا فَخْرَ، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ وجلّ.
ولله درّ السيّد يوسف النبهاني رحمه الله تعالى في قصيدته المباركة طيبة الغرّاء حيث يقول:-
أيُّ لَـفْـظٍ يَـكُـوْنُ كُـفْـؤًا لِـمَـعْـنَـــا *** هُ وَفِي الخَلْقِ مَا لَهُ أَكْفَاءُ
هُـــوَ واللهِ فَـــوْقَ كُـــلِّ مَـدِيْـــــحٍ *** أَنْشَدَتْهُ الرُّوَاةُ وَالشُّعَرَاءُ
لَيْسَ يَدْرِي قَدْرَ الحَبِيْبِ سِوَى اللـ *** هِ فَمَاذَا تَـقُـوْلُهُ الفُـصَحَاءُ
ولكمال الاطلاع على مدلول الحديث الشريف أرجو مراجعة السؤال المرقم (169) والمشاركة المرقمة (23) في هذا الموقع الكريم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، قطب الجلال، ورمز الكمال، وشمس الجمال وعلى جميع الصحب والآل.