2020-12-16
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي حضرة الشيخ الكريم أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يجعلنا الله سبحانه وتعالى بأنواركم الجلية نهتدي من ظلمات النفس إلى أنوارها الزكية وبدعواتكم المستجابة.
سيّدي سؤالي لحضرتكم:
ذكر سيّدنا حضرة الشيخ عبد الله قدّس الله روحه وثراه وجعل الفردوس الأعلى
مثواه في كتابه (معالم الطريق) في الصفحة 307 في تفسير الآية الكريمة {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴿٢٠٠﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾}.
قول حضرته (فكأنّ الآية الكريمة مبنية على مثل صنعة الاحتباك) أرجو من حضرتكم شرح هذه العبارة.
وجزاكم الله تعالى عنا كل خير وأكرمنا بصدق التوجه اليه… مع فائق شكري وتقديري.
من: أوزدان حميد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء على تواصلك الظريف، ودعائك اللطيف، إنّه سبحانه سميع قريب، وللمنيبين مجيب.
إنّ الآية الكريمة:-
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [سورة البقرة: 200].
من هداياتها كما قال سيّدي حضرة الشيخ عبد الله طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:-
(أنّها أتت بمجموعة من الأحكام وهي:-
1- الأمر بذكر الله.
2- تجويز ذكرنا آباءنا.
3- تجويز ذكرنا الناس سوى آبائنا.
4- الأمر بذكر الله ذكرا أشدّ من ذكر الآباء.
وسياق الآية ومقتضى الحال واضحان كلّ الوضوح في أنّ التشبيه بذكر الآباء لا علاقة له بوصف الأبوة على وجه الحصر، بل هو تشبيه لذكر الله تعالى بذكر إنسان كالأب مثلا. وكما أنّ أقلّ الذكر قد نصّ على جواز تشبيهه وأُمِرَ بمثله في حق الله تعالى، فكذلك الشأن في الذكر الأشدّ أمرا به وتجويزا لتشبيهه بما هو أشدّ من ذكر الآباء ممّا يكون بين بني الإنسان. فكأنّ الآية الكريمة مبنيّة على مثل صنعة الاحتباك، وصورتها: اذكروا اللهَ كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكرًا كذكركم مَنْ تذكرونه ذكرًا أشدّ من ذكركم آباءكم) معالم الطريق في العمل الروحي الإسلامي ص307.
فهو قدّس الله تعالى سرّه استنبط منها دليلا على جواز الرابطة القلبية بين المريد والمربّي.
ولتوضيح ما سألتِ عنه أقول:-
صنعة الاحتباك، هي:-
(أنْ يُحْذَفَ من الأوائل ما جاء نظيره أو مقابله في الأواخر، ويُحْذَفَ من الأواخر ما جاء نظيره أو مقابله في الأوائل) البلاغة العربية (2/54).
ومن أمثلته: قوله جلّ جلاله:-
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَآءُ إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار} [سورة آل عمران عليهم السلام: 13].
أي: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ (مؤمِنَةٌ) تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ (تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الطَّاغوتِ) يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين}.
فَحُذِف الوصف وهو لفظ (مؤمنة) في الأوائل لدلالة مقابله في الأواخر وهو لفظ (كافرة)، وحُذِفَ من الأواخر جملة (تقاتل في سبيلِ الطاغوت) لدلالة مُقَابِله في الأوائل، وهي جملة (تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ) البلاغة العربية (1/347).
وكذلك الحال في قوله سبحانه:-
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا —}.
فالجملة الأولى {كذكركم آباءكم} فيها تشبيه ذكر الله عزّ وجلّ بذكر الآباء وهو الذكر الأقلّ أو الأضعف، والجملة الثانية {أو أشدّ ذكرا} وهو الذكر الأقوى، أي اذكروا الله تعالى ذكرا أشدّ، ولم يذكر أشدّ مِمّن؟ لأنّ العبد إذا أنهى مناسكه لم يذكر أباه فحسب بل يمكن أنْ يذكر أشياء أخرى كثيرة منها: الولد، الزوجة، الوطن، الصديق، الشيخ.
فإذا جئنا إلى السَّبْر والتقسيم في مباحث العلة وهو:-
(السبر معناه الاختبار، والتقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لِأنْ تكون علّة في الأصل، وترديد العلّة بينها بأنْ يقال العلّة إمّا هذا الوصف أو هذا الوصف) علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلّاف رحمه الله تعالى ص77.
استبعدنا هذه الأشياء باستثناء الشيخ، لأنّ الأجواء مفعمة بالإيمان والتقوى، وحقّ الشيخ المربي أعظم من حق الوالدين، هكذا قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فإذا تساءلت عن السبب؟ أقول:-
لأنّ الوالد أتى بالولد عن طريق شهوة، وهو يروم من مجيئه هذا دوام ذكره واستمرار نسله، ويطمع أنْ ينفعه ولده في حال الكِبَر.
أمّا الشيخ المربي فلا يطمع من مريده إلّا أنْ يكون ذاكرًا لله جلّ وعلا، مستقيمًا على منهجه، حريصًا على اتباع سنّة نبيّه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، ولسان حاله يقول:-
{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الشعراء: 109].
وصدق مَنْ قال:-
إنّ الوالد يقي ولده من نار الدنيا، أمّا الشيخ المربّي فيقي مريده من نار الآخرة.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على صاحب القلب الطاهر، والنور الباهر، والبحر الزاخر، الجامع لجميع المفاخر، في الباطن والظاهر، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل البصائر.