2020-12-18
السؤال:
*خطأ فادح منتشر في مواقع التواصل*
📛 *مما يتناقله بعض الاخوة والأخوات في بعض المجموعات هذه الجملة*:
*”إذا أتعبتك آلام الدنيا فلا تحزن فربما اشتاق الله لسماع صوتك وأنت تدعوه”* ✒️قال العلامة الألباني عليه رحمة الله: *”وصف الله سبحانه وتعالى بالشوق لم يثبت في الكتاب ولا في السنّة بل هو صفة نقص يجب أن ينزه الله عنها*.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:-
“الشوق أيضًا صفة نقص ولهذا لم يثبت ذلك في حق الله تعالى”
🔶وأما حديث [طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق] *فهو حديث ضعيف”*.
قال عنه ابن كثير رحمه الله:-
هو من الإسرائيليات المنكرة”
وقال الألباني عنه:-
حديث منكر وقد ذكره في السلسلة الضعيفة (1034)  
📡 *مع تحيات شبكة عيسى السادة الخيرية، والدعوية، والاجتماعية*
☎️للاشتراك: *35060557*

من: عبد الوهاب محمد آل محمود

الرد:-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وحيّاكم الله سبحانه في هذا الموقع الميمون.
أرجو الانتباه إلى الأمور الآتية:-
1- إنّ شبكة الإنترنت تحوي الغثّ والسمين فهي ليست مصدرًا مستقلًا يعتمد عليه بدون تحقيق أو تدقيق، فعند نقل مقالة أو ما شابه يجب أنْ نكون على وعي ودراية بما ننقله.
2- يجب ذكر المصادر عند النقل عن العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم؛ للتثبّت من الكلام ولمعرفة مدى صحة الفهم من كلامهم.
3- توقير أهل العلم بما يتلائم مع منزلتهم، فلو لاحظت أنّ كاتب المقال يضفي على المعاصرين من ألفاظ التبجيل ما لا تجده عند ذكر من أجمعت الأمّة على علمهم وتقواهم وورعهم.
4- الحديث المذكور ذكره الإمام الغزالي عليه الرحمة والرضوان في كتابه الإحياء، وقال عنه الحافظ العراقي رحمه الله تبارك اسمه:-
(لم أجد له أصلًا إلّا أنّ صاحب الفردوس ذكره من حديث أبي الدرداء ولم يذكر له وَلدُهُ في مسند الفردوس إسنادًا) ينظر تخريج أحاديث الإحياء (4/17735).
5- باب الإخبار عن الله تقدّست أسماؤه أوسع من باب إثبات الأسماء والصفات، فلا يشترط في الإخبار أنْ يكون بألفاظ توقيفية، قال الشيخ ابن القيم رحمه ربّنا المنعم:-
(ويجب أنْ تعلم هنا أمورًا، أحدها: أنّ ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنّه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا) بدائع الفوائد (1/161).
وقد علّم الإمام أحمد رحمه ربّنا الصمد جلّ جلاله بعض أصحابه أنْ يقول:-
(يا دليل الحيارى دلّني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين). ينظر: التوسّل والوسيلة للشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية ص99.
مع أنّ هذا اللفظ لم يرد في الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة لكن جاز؛ لأنّه من باب الإخبار لا من باب إثبات الأسماء والصفات لله تقدّست ذاته العلية.
6- بالنسبة لإطلاق لفظ الشوق في حقّ الله تعالت ذاته وصفاته، فقد قال الشيخ ابن القيم رحمه الله عزّ كماله:-
(هل يجوز إطلاقه على الله -أي لفظ الشوق-؟ فهذا ممّا لم يرد به القرآن ولا السُّنَّة بصريح لفظه، قال صاحب منازل السائرين وغيره: وسبب ذلك أنّ الشوق إنّما يكون لغائب.
ومذهب هذه الطائفة إنّما قام على المشاهدة، ولهذا السبب عندهم لم يجيء في حقّ الله ولا في حق العبد، وجوزت طائفة إطلاقه كما يطلق عليه سبحانه، ورووا في أثر أنّه يقول: “طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشوق”. قالوا: وهذا الذي تقتضيه الحقيقة، وإنْ لم يرد به لفظ صريح، فالمعنى حقّ، فإنّ كلّ محبّ فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه. قالوا: وأمّا قولكم إنّ الشوق إنّما يكون إلى الغائب وهو سبحانه لا يغيب عن عبده ولا يغيب العبد عنه، فهذا حضور العلم، وأمّا اللقاءُ والقرب فأمر آخر، فالشوق يقع بالاعتبار الثاني وهو قرب الحبيب ولقاؤه والدنو منه، وهذا له أجل مضروب لا ينال قبله).
ثمّ قال رحمه الله سبحانه:-
(والصواب أنْ يقال: إطلاقه [اللفظ] متوقف على السمع، ولم يرد به، فلا ينبغي إطلاقه) طريق الهجرتين ص328.
فواضح أنّ المسألة خلافية، ومع أنّ الشيخ ابن القيم رحمه الله سبحانه يرجِّح عدم الجواز فإنّه يستـأنس بالأثر المذكور في كتبه إذ يقول:-
(وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: «طَالَ شَوْقُ الْأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِي، وَأَنَا إِلَى لِقَائِهِمْ أَشَدُّ شَوْقًا» وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ) الإمام البخاري رحمه ربّنا الباري تعالى شأنه) الجواب الكافي (1/183).
وقال رحمه الله جلّت صفاته:-
(وجاء في أثر إسرائيلي: طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشوق) روضة المحبين (1/30).
7- تعقيبًا على كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله جلّ وعلا المنقول في النصّ المسؤول عنه، أقول وبالله تعالى التوفيق:-
يجب فهم النصوص بمدياتها الواسعة، فالمدارس في الفكر الإسلامي لها مناهج متعدّدة، فمنها ما تميل إلى التمسّك بشكل غالب بظاهر النصوص، وأخرى تنحو إلى التأويل.
فما يوهم من ظاهرها ما لا يليق بالله جلّ في علاه ينبغي أنْ يُفهمَ في ضوء النصوص الأخرى المنزهة للباري سبحانه وتُثبتُ له الكمال.
فأيّ النصّين فيما يُذكر الآن يوهم ما لا يليق بالله جلّ جلاله؟ (طال شوقي)، أم (المرض) في قول سيّدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الصدق والوفا:-
(إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُوْلُ يَومَ القِيامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قالَ: يا رَبِّ كيفَ أعُودُكَ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قالَ: يا رَبِّ وكيفَ أُطْعِمُكَ؟ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّه اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلكَ عِندِي، يا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قالَ: يا رَبِّ كيفَ أسْقِيكَ؟ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ، قالَ: اسْتَسْقاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أما إنَّكَ لو سَقَيْتَهُ وجَدْتَ ذلكَ عِندِي) الإمام مسلم رحمه ربّنا الأكرم.
فالمؤمن ينزّه الله سبحانه عن المرض، لكنّه يفهم أنّ الله عزّ شأنه يرغّبنا في التواصل وعيادة المرضى.
وفي نور هذا العلم تأمّل في قوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ومَن على طريقته أقدم:-
(يَعْجَبُ ربُّك مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُوْلُ اللهُ عزَّ وجلَّ: انْظُرُوْا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيْمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ) الإمام أبو داود رحه الرب المعبود جلّ ثناؤه.
فالعجب منفيّ عن الله جلّ جلاله بمفهومه الذي عند الخلق، لأنّه يوهم النقص؛ إذ هو الدهشة من فعل شيء غير متوقّع، أو غير معلوم، أو أنّ سبب الفعل المتعجَّب منه يخفى على المتعجِّب، وهذا محال في حقّ القدّوس تبارك وتعالى وتقدّس، لكن أُطْلِقَ من باب الاستحسان لا الاندهاش، ففيه حثّ وترغيبٌ ورفعٌ للهمّة لتطبيق الطاعة المذكورة في الحديث الشريف.
إذنْ: هناك مساحة واسعة للألفاظ العربية، فليس كلّ لفظ يُشعر ظاهره بالنقص لا تجوز نسبته إلى الله جلّ شأنه، فباب التأويل المنضبط واسعٌ.
وختامًا:-
فلا يُتعنّت في المسألة بأكثر ممّا تستوجب لأنّها في دائرة الخلاف المقبول.
والله جلّت عظمته أعلم.
وصلّ اللهمّ وسلّم على جامع شتات الأمّة، وموصلها إلى تمام بحر النعمة، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه، ما اشتاق مشتاق إلى ربه عزّ وجلّ، وحنّ محبٌ إلى نبيّ الرحمة صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم.