2020-12-20
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيخنا الفاضل: أيجوز قول الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه، أيبلغ الحمد منتهاه؟ أليس في ذلك إساءة في حق الله سبحانه وتعالى؟
أرجو الردّ جزاكم الله كلّ خير.

من: تقوى الله

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
من دواعي سروري أنّكم متابعون لهذا الموقع المبارك، وأسال الله جلّت قدرته أنْ يمنّ عليكم بالتوفيق والسداد إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.
إنّ حمدَ الله جلَّ وعلا وشكره والثناء عليه عزّ شأنه ممّا ينبغي على المسلم المداومة عليه، فقد قال جلّ جلاله:-
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [سورة الإسراء: 111].
وقال:-
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة النمل: 59].
وفي سورة الفاتحة التي نقرؤها في كلّ صلاة، ولا تقبل بدونها، ابتدأت بعد البسملة بالحمد، قال سبحانه:-
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة: 2].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وقال:-
(أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
والحمد أوّل ما تكلّم به سيّدنا آدم عليه السلام، قال حضرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ المَلَائِكَةِ، إِلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ، فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ —) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
وآخر ما يختم به المؤمن حياته، فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-
(أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ بَنَاتِهِ، وَهِيَ تَجُودُ بِنَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى قُبِضَتْ، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْمُؤْمِنُ بِخَيْرٍ، تُنْزَعُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
ويستمر معه إلى الدار الآخرة، قال عزّ من قائل:-
{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 10].
وقال:-
{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [سورة الزمر: 74].
ويستحبّ للمسلم أنْ ينتقي في باب الثناء على الله جلّ في علاه أحسن الألفاظ وأعذبها وأكملها.
وخير ما يختار من ذلك:-
1- ما ورد في القرآن الكريم ممّا أثنى الله جلّ جلاله به على نفسه كقوله سبحانه:-
{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة القصص: 70].
2- ما ورد في السنّة الشريفة، ومنه:-
عَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-
(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
3- ما ذُكِرَ عن الصالحين رضوان الله تعالى عليهم وعليكم أجمعين، ومنه ما ورد عن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ السَّدُوسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(كَانَ الْحَسَنُ -البَصْرِيّ- يَقُولُ إِذَا ابْتَدَأَ حَدِيثَهُ:- الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بِمَا خَلَقْتَنَا وَرَزَقْتَنَا وَهَدَيْتَنَا وَعَلَّمْتَنَا وَأَنْقَذْتَنَا وَفَرّجَتْ عَنَّا، لَكَ الْحَمْدُ بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ، كَبَتَّ عَدُوَّنَا، وَبَسَطْتَ رِزْقَنَا، وَأَظْهَرْتَ أَمّتَنَا، وَجَمَعْتَ فُرْقَتَنَا، وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتِنَا، وَمِنْ كُلِّ وَاللهِ مَا سَأَلْنَاكَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ حَمْدًا كَثِيرًا، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ سِرٍّ أَوْ عَلَانِيَةٍ أَوْ خَاصَّةٍ أَوْ عَامَّةٍ أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيْتَ) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
وقال الإمام عبد الرحيم البرعي رحمه الله تعالى:-
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا نَسْتَلِذُّ بِهِ ذِكْــرًا *** وَإنْ كُنْتُ لَا أَحْصِي ثَنَاءً وَلَا شُكْرا
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا طَيِّبًا يَمْلَأُ السَمَا *** وَأَقْطَارَهَا وَالأَرْضَ وَالبَرَّ وَالبَحْرَا
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا سَرْمَدِيًّا مُبَارَكًا *** يَقِـلُّ مِـدَادُ البَـحْرِ عَنْ كَتْبِهِ حَصْـرًا
لَكَ الحَمْدُ تَعْظِيْمًا لِوَجْهِكَ قَائِمًا *** يَخُصُّكَ فِي السَّرَاءِ مِنِّي وَفِي الضَّرَّا
لَكَ الحَمْدُ مَقْرُوْنًا بِشُكْرِكَ دَائِمًا *** لَكَ الحَمْدُ فِي الأُوْلَى لَكَ الحَمْدُ فِي الأُخْرَى
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا طَيِّبًا أَنْتَ أَهْلُـهُ *** عَلَى كُلِّ حَالٍ يَشْمَلُ السِّرَّ وَالجَهْـرَا
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا أَنْتَ وَفَّقْـتَنَا لَهُ *** وَعَلَّمْـتَـنَا مِنْ حَمْدِكَ النُّظْمَ وَالـنَـثْـرَا
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا نَبْتَـغِـيْهِ وَسِيْلَةً *** إِلَيْكَ لِتَجْـدِيْـدِ اللَّطَائِــفِ وَالبُـشْــرَى
وأمّا الثناء بصيغ أخرى لم ترد في شريعتنا الغرّاء، ولا عن الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم فينبغي أنْ توزن بميزان الشريعة المباركة، فما وافقها فهو من الخير الذي يثاب فاعله، وما ليس كذلك فلا يجوز.
وأمّا الصيغة التي ذكرت في سؤالكم الكريم: (الحَمْدُ للهِ حَتَّى يَبْلُغَ الحَمْدُ مُنْتَهَاهُ).
فحسب علمي لم تثبت حديثا عن سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، لكنّ معناها يوافق موازين الشريعة الغرّاء.
فقد ورد عن حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين قوله:-
(اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه في الأدب المفرد.
فقوله (الْحَمْدُ كُلُّهُ) دليلٌ أنَّ للحمد ابتداءً وانتهاءً.
ولا يخفى على جنابكم الكريم أنَّ حَمْدَ النَّاس مخلوقٌ كما أنَّهم مخلوقون لأنَّه من عملهم والله سبحانه يقول:-
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [سورة الصافات: 96].
وكلّ مخلوق له منتهى، فحمد المخلوق له منتهى يصل إليه.
وهذا لا يعني أنَّ ما يُحمَدُ به الله جلّ جلاله له منتهى، فقد قال عزّ من قائل:-
{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة سيّدنا لقمان عليه السلام: 27].
فصفات الخالق وما يحمد عليه لا حدَّ لها؛ لأنَّها أزلية أبدية وما كان كذلك فلا منتهى له، فهناك فرق بين الحمد من المخلوق، وبين ما يُحْمَدُ عليه الخالق سبحانه.
فالأول له منتهى، والثاني لا منتهى له.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على صفوة العِبَاد، وسيِّد العُبَّاد، وآله وصحبه الأسيَاد، ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم المعاد.