2020-12-26
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم سيدي ورحمة الله وبركاته، أدعو الله تعالى أنْ يرفع مقامكم في أعلى عليين، وينفع بكم الإسلام والمسلمين أين ما حللتم ورحلتم، ويجعلكم ذخرًا لنا في الدنيا ويوم الدين.
شيخي في مملكة البحرين الحكومة تقوم بتجربة لقاح تجريبي ضد فايروس كرونا وهذا بالتعاون مع عدة دول وللتأكد من فاعلية اللقاح يجب أنْ يكون هناك متطوعون لتجربة هذا اللقاح عليهم، وعندنا في البحرين الحكومة تشجع الناس لينضموا إلى المتطوعين، ويقولون إنّها خدمة للإنسانية.
فهل يجوز يا شيخي بأن أجرّب هذا اللقاح؟
وجزاكم الله خيرا يا شيخي.
 
من: سائل
 
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك وعلى دعواتك الطيبة المباركة وأدع لك بمثلها وزيادة
حث الإسلام على البحث عن الدواء فقد جاء في الحديث الشريف:-
(إِنَّ اللهَ لَمْ يُنْـزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) الإمام البخاري رحمه المغني تبارك اسمه.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيْبَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرِئَ بِإذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وأيضّا وجّه الإسلام إلى العناية بكرامة الإنسان فقد قال سبحانه:-
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ —} [سورة الإسراء: 70].
كما إنّ من مقاصد الشريعة الغرّاء التي جاء الإسلام بها حفظ الضروريات الخمس، وهي:-
(الدِّيْنُ، وَالنَّفْسُ، وَالعَقْلُ، وَالعِرْضُ، وَالمَالُ)
فحفظ النفس من جملة الضروريات التي أمر الشارع جلّ وعلا بحفظها وعدم تعرّضها للهلاك.
وعندما يصاب مجتمع ما بوباء وليس هنالك وسيلة لإثبات نجاح أيّ لقاح إلّا بتجربته على البعض لمعرفة فعاليته فعندئذ يباح ذلك خدمة للإنسانية جمعاء ما لم يكن هناك ضرر مُحقّق على المتطوّع لأنَّ:-
(الضَّرَر لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ)
وبشروط بيّنها السادة الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، كذلك بيّنتها منظمة الصحة العالمية، والقواعد الأصولية في الشريعة الغرّاء جاءت لتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ففي الأحوال الطبيعية التي لا تشوبها شائبة الفكر المنحرف، أو الطمع في أكل أموال الناس بالباطل، وليست هناك خطورة مؤكّدة على الإنسان فيما إذا أجرى هذا اللقاح فلا بأس، لكن لا بُدّ من البحث أوّلًا عن إمكانية إجراء هذه التجارب على مَنْ هو أقلّ رتبة من الإنسان كالحيوانات -أجلّكم الله تعالى- فهناك كثير من الأبحاث والدراسات أجراها الباحثون والعلماء على الحيوانات قبل الشروع بإعطائها للإنسان فإذا كان هذا الأمر ممكنًا فلا تجوز المجازفة والتجربة على الإنسان طالما أنّ إجراء التجربة على الحيوان ممكنة حتى تتضح سلبيات هذه التجربة وإيجابياتها ومدى خطورتها وآثارها الجانبية على بقيّة أعضاء الجسم، فكم من علاج ظهرت له آثار خطيرة على بعض أعضاء الجسم رغم فاعليته في علاج المرض المخصص له، فعند تجربته على الحيوان ربّما تتضح لدى الباحثين هذه السلبيات، ويجب إعطاء الوقت الكافي لذلك.
ومع أنّ للحيوانات حقوقها في الإسلام لكن في مثل هذه الحالات الإنسان مقدّم عليها فهذا هو الأولى لأنّ الله جلّ في علاه سخّر لنا كلّ الموجودات كما جاء في محكم كتابه العزيز:-
{وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا —} [سورة الجاثية: 13].
وأجازت دار الإفتاء المصرية إجراء التجارب السريرية على جسد الإنسان، مؤكدة أنّها مباحة شرعًا بشروط خاصة، وأنّ اختبار الدواء على الإنسان بهدف اكتساب معارف طبيّة تقود لتطويرها.
(وأوضحت الدار، أنّ إجراء التجارب الطبيّة على الإنسان لا يعدو ضررها أنْ يكون مُحَقَّقًا أو لا؛ فإنْ كان ضررها ثابتًا ويُشَكِّل خَطَرًا على حياة الإنسان، أو على وظيفةِ عضوٍ من أعضائه؛ وذلك كالتجارب الدوائية التي تُجرَى لمعرفة آثار الدواء الجانبية السلبية، فكلّ هذه التجارب مُحرَّمة شرعًا.
أمّا إذا كانت هذه التجارب لا ضرر فيها على الإنسان، أو فيها ضرر يُحْتَمَل بحيث لا يُشَكِّل خَطَرًا على حياة الإنسان، أو على عضو من أعضائه؛ وذلك كالتجارب التي يتمّ اختبارها مُسَبَّقًا على غير الإنسان، فهي جائزة شرعًا، مدللة على ذلك بقول الله عزّ شأنه:-
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [سورة المائدة: 32].
إنّ حقّ الانسان في سلامة جسده من الأمور التي نصّت الشريعة على احترامها وأنْ تحاط بحماية كاملة، وعدم إلقاء النفس في المهالك قال تبارك اسمه:-
{وَلَا تُلْقُوْا بِأيْدِيْكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ —} [سورة البقرة: 195].
(وإنّ من التكاليف ما هو حق لله تعالى خاصة وهو راجع إلى التعبّد، والآخر هو حق للعبد لكن فيه حق لله تعالى، ومن هذا النوع حق حفظ البدن من الأذى). الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله عزّ وجلّ (2/535).
(وكلّ جناية للإنسان على أعضاء نفسه يتفاوت إثمها بتفاوت ما جنى عليه لأنّ الحق في ذلك كلّه مشترك بين العبد وربّه) قواعد الأحكام، للإمام العز بن عبد السلام رحمه الله جلّ جلاله (1/131).
(فإذا تعلّقت أفعال المكلفين بمصلحة المجتمع عامّة فحكمها أنّها حقّ لله تعالى وليس للمكلف فيه اختيار لأنّ مصلحة المجتمع فيها أظهر فحقّ الله فيها غالب). علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله سبحانه ص 210-211.
وبناء على هذه القواعد فإنّ الأصل في إجراء اللقاح فيه مصلحة للمجتمع، وتجربته على المتطوعين هو حقّ لله جلّ في علاه على العبد.
وهناك شروط يجب توافرها لإجراء أيّ تجربة على الإنسان منها أنّه:-
(لا بُدّ لإجراء التجربة موافقة الشخص بصورة خالية من الإغراء أو الإكراه) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الاسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي قرار رقم 67، 149.
(ومنها لا بُدّ من إجراء التجارب في المختبرات ثمّ إجراءها على الحيوانات قبل إجرائها على الإنسان) المسؤولية الجنائية في تحديد لحظة الوفاة، د. محمود أحمد طه ص294.
(لكن قد تكون ظروف تركيبة جسم الحيوان تؤدي إلى انعكاسات للعقاقير مختلفة تماما على الانسان وهذا ما حدا بالأطباء والعلماء إلى ضرورة إجراء التجارب العلاجية على الإنسان) المسؤولية الجنائية للأطباء، محمد أسامة عبد الله، رسالة دكتوراه ص: 373.
وقد ورد في السنّة المطهّرة أيضًا ما يدلّ على مشروعية التجربة الطبيّة، فقد سُئِلَ سيّدنا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ جُرْحِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ:-
(جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(مَنِ اسْتَطَاعَ أنْ يَنْفَعَ أخَاهُ فَلْيَفْعَلْ) الإمام مسلم رحمه الله جلّت صفاته.
ومن القواعد الأصولية (الضَّرَرُ يُزَالُ) فلا مفرّ من التجارب العلاجية لأنّ للوسائل حكم المقاصد لأجل ذلك كلّه فإنّ الشريعة الإسلامية لا تقف في وجه الأبحاث العلمية لكن ليس على حساب هلاك الأفراد لأنّ ذلك يتعارض مع الضروريات الخمس التي أمر الشارع الشريف بحفظها.
ولا بُدّ من الإشارة هنا أنّ الجهات التي تبنّت إنتاج اللقاح التجريبي لم تذكر ما هي الآثار الجانبية المحتملة على المتطوعين ليكونوا على دراية فإنّ إخفاء هكذا معلومة يعدّ غررًا شرعيًّا وخداعًا علميًّا وقانونيًّا يحاسب عليها مرتكبوها، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:-
(مقصود الشرع حفظ الكليات الخمس وكلّ ما يحقق هذه الأصول فهي مصلحة والتجارب التي تضرّ بالإنسان هي مفسدة فإذا كان الهدف من التجربة تحقيق مصالح الناس فإجراؤها مصلحة تقرها الشريعة) المستصفى (1/174).
يقول الإمام الشاطبي رحمه العلي القدير:-
(ليس لأحد أنْ يقتل نفسه ولا أنْ يفوت عضوًا من أعضائه) الموافقات (3/102).
ولأنّ الانسان يسأل يوم القيامة عن جسده لقوله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(لا تَزُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ) الإمام الترمذي رحمه الحق جلّ جلاله.
(فإذن لا بُدّ أنْ تمرّ التجربة بمراحل عدّة منها: أنْ تجرى على الحيوانات التي لها صفات بايولوجية قريبة من الإنسان، ثمّ تسجيل الآثار والملاحظات التي ستظهر، والحصول على موافقات مسبقة من اللجان المختصة منعًا لاستغلال البحوث في أغراض منافية للشرع والأعراف العلمية) الموسوعة الطبية، أحمد محمد كنعان ص: 132 – 133.
لكن ممّا يؤسف له أنّ بعض التجارب اليوم توجّهت لكسب المال والتنافس عليه ممّا أثار شبهات كثيرة حول هذا الموضوع وغيره، وعليه لا أنصح بالتطوّع لتجربة هذا اللقاح لأنّي شبه مقتنع بأنّ هذا الفايروس مفتعل.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وآله وصحبه أهل الجود والكرم.