2020-12-27
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي، رضي الله عنكم وأرضاكم وألبسكم ثوب الصحة والعافية، وأنْ يجمعنا الله عزّ وجلّ بكم في الدارين.
سيّدي سؤال خادمكم. عن أخذ البقر بالنصف، صاحب المال يجلب البقرة، والفلاح عليه خدمة البقرة من معلف وغيره من الخدمة على أنْ يكون له الحليب، وإنْ أنجبت البقرة عجلا يكون لكلّ واحد منهم النصف. سمعت سيّدي كلاما أنّ هذا لا يجوز في الشرع. ما رأيكم سيّدي؟ للعلم سيّدي الكثير يعمل به في مناطقنا.
من: أنور
الرد:-
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
شكرًا لك على هذه الدعوة المباركة، وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يكتب لكم مثلها وزيادة إنّه سبحانه سميع مجيب.
للفقهاء رحمهم الله عزّ وجلّ في هذه المسألة عدّة وجوه، منها:-
* أنّها إجارة، أي أنّ الفلاح ستكون أجرته لقاء إطعام البقرة وسقيها والاعتناء بها نصف ما تنتجه من حليب، أو ولادة، أو غيرهما من المنافع.
فمَنْ نظر إلى هذه المسألة من هذا الوجه لم يجوّزْهَا لأنّها أجرة على معدوم في وقت العقد، فقد تلد البقرة أو لا، وقد تحلب أو لا.
قال الإمام المرداوي رحمه الله جلّ جلاله:-
(لو أَخَذَ مَاشِيَةً لِيَقُومَ عليها برعي وَعَلَفٍ وسقي وَحَلْبٍ وَغَيْرِ ذلك بِجُزْءٍ من دَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا لم يَصِحَّ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ … ذَكَرُوهُ في بَابِ الْإِجَارَةِ، وَلَهُ أُجْرَتُهُ) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (5/454).
* أنّها شركة مضاربة، أي أنّ صاحب المال يدفع بقرة وهي بمثابة رأس المال، والفلاح يقوم بالخدمة اللازمة من طرفه، والناتج بينهما، وقد أجاز الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك قياسًا على المضاربة بالمال فقال:-
(يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ يَتَّجِرُ فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ أَرْضَهُ يَزْرَعَهَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ شَجَرَةً يَقُومُ عَلَيْهِ، وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعَ إلَيْهِ بَقَرَهُ أَوْ غَنَمَهُ أَوْ إبِلَهُ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَالدَّرُّ وَالنَّسْلُ بَيْنَهُمَا —) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/16).
وسئل مفتي الديار المصرية السابق فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف عن هذا النوع من الشراكة، فقال:-
(إنّ المعاملة على الوجه الوارد بالسؤال وعلى الوجه الشائع في الريف من أنْ يدفع الشريكان الثمن مناصفة، ويقوم أحدهما وهو المسمّى بالقاني بما يلزم للماشية من أكل وشرب في نظير أخذ لبنها وسمادها، والآخر وهو المسمّى الشريك المرفوع لا يدفع شيئًا في النفقة، ولا يأخذ شيئًا من لبنها وسمادها، على أنْ يكون نتاجها بينهما مناصفة، هذه المعاملة ليس فيها مانع شرعي مع تعامل النّاس بها وتعارفهم عليها، وللنّاس فيها حاجة، ولم يوجد نصٌّ يحظرها بعينها من كتاب أو سنّة أو إجماع، ولا يترتب عليها ما يترتب على ما حظره الشارع من التصرّفات من التنازع والشحناء وإيقاع العداوة والبغضاء أو الظلم والفساد، فتكون صحيحة وجائزة شرعًا، دفعًا لما يلزم من الحرج وتيسيرًا على الناس) من موقع الإسلام ويب.
وعلى القول بصحّة هذه المعاملة، فإنْ كان شريك السائل هو مَن اشترى البقرة وحده، على أنْ يقتسم النسل مع السائل فعند فضّ الشركة ترجع البقرة لصاحبها، ويقتسمان النسل فقط، وأمّا إنْ كانا تشاركا في ثمن البقرة، فإنّهما يقتسمانها هي ونسلها، وذلك ممكن ببيعهما وقسمة ثمنهما.
وأرى أنّها أشبه بشركة المضاربة، وأنّ فيها إعانة للفلاح الفقير وعائلته، فهم ينتفعون طوال السنة بلبنها، ويأخذون نصف المولود منها لقاء تعبهم من رعي ورعاية، فإنْ منعناها بسبب الغرر اليسير، وامتنع أصحاب الأموال من دفع البقر والغنم للفلاح بسبب فتوى المنع، لحقّ الفلاح الضرر بذلك، فمن هدايات الشرع الشريف التيسير والتخفيف ورفع الحرج كما هو معلوم. ولمزيد من الفائدة أرجو الاطلاع على السؤال المرقم (377) في هذا الموقع المبارك.
والله تبارك اسمه أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.