1-1-2021
السؤال:
السلام عليكم سيّدي الحبيب ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله العظيم لحضرتكم تمام الصحة والعافية وطول العمر، وأنْ يجعلكم منارًا للنّاس جميعا.
سيّدي الحبيب أعرف أنّ منهج حضرتك عدم الإجابة عن أسئلة الطلاق، لكن سؤالي لا يتعلق بحادثة مخصوصة.
في الآونة الأخيرة ظهرت دعوات ومطالبات في بعض الدول وفي الفضائيات من أشخاص يدّعون أنّ الطلاق الشفوي لا يقع ولا يعتد به شرعًا، حتّى يوثّق أمام المحاكم. هل هذا الكلام يصح؟ يعني إذا شخص طلّق زوجته في البيت، أو في أيّ مكان لا تعتبر تطليقة من الناحية الشرعية يقصدون وليس من الناحية القانونية إلّا أمام المحاكم. حفظكم الله تعالى سيّدي الحبيب

من: خادمكم أياد المساري

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع الكريم، ودعواتكم الصادقة، وبعد:-
إنّ خطر الطلاق كبير على الأسرة والمجتمع، والتهاون فيه مخالفة للشرع الشريف، ولمزيد بيان حول هذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1756) في هذا الموقع الميمون.
أمّا فيما يتعلّق بالسؤال فينبغي تثبيت المحاور الآتية:-
أوّلًا: توثيق التصرّفات والعقود أمرٌ مشروعٌ لاحتياج الناس إليه في معاملاتهم خشية جحد الحقوق أو ضياعها. فقد أمر الله عزّ وجلّ بالكتابة والإشهاد في معاملات النّاس وعقودهم، كما في آية الدَّيْن وهي أطول آية في القرآن الكريم، حيث يقول الله جلّت قدرته:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 282-283].
وينبغي حملُ النّاس في هذا الزمان على توثيق العقود وجوبًا، حراسة لحقوق الآخرين من أنْ تؤكل بالباطل سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسدًّا لأبواب الخصومات، قال عزّ من قائل:-
{— ولا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ —} [سورة البقرة: 282].
(هذا تأكيدٌ من الله تعالى في الإشهاد بالدَّين تنبيهًا لِمَنْ كسل فقال: هذا قليلٌ لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه، لأنّ أمر الله تعالى فيه والتحضيض عليه واحدٌ، والقليلُ والكثير في ذلك سواء) أحكام القرآن للإمام ابن العربي المالكي رحمه الله عزّ وجلّ (1/257).
ومن هنا ألزمَ قانونُ الأحوال الشخصية المطبّقُ في بلدان المسلمين بتوثيق الزواج والطلاق لدى المحاكم الشرعية.

ثانيًا: لا يشترط شرعًا أنْ يكون الطلاق أمام شهودٍ، فمتى ما أوقعه الرجلُ نفذ عليه، أي أنّه بمجرّد نطقه بألفاظه الصريحة، فإنّه يقع، ولا يتوقف على إشهادٍ.
وينبغي أنْ يُعلم أنّ بعض الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قديمًا وحديثًا قالوا باشتراط الشهود في الطلاق، ولكن القول بعدمه هو الراجحُ المعتمد في المذاهب الإسلامية.
وممّن نقل عنه هذا الاشتراط من الفقهاء المتقدمين: سيّدنا عليّ كرَّم الله تعالى وجهه، وبعض التابعين كسيّدنا عطاء، ومن العلماء المعاصرين العلامة التونسي الطاهر ابن عاشور، وغيرهم، رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين.
وقد قالوا: إنّ الاشتراط يحقّق مصالح، منها:-
1- يقلّل بشكلٍ كبيرٍ نسبة الطلاق.
2- يتوافق وينسجم مع روح الشريعة الإسلامية التي تأمر بحفظ الحقوق وتوثيقها، فكما يُشترط التوثيق في عقد الزواج، فاشتراطه في الطلاق أولى.
3- يُعطي الزوجَ فرصةً لمراجعة نفسه، وعدم اتخاذ القرار إلّا بعد تفكّر وتأنٍ.
4- يفتح بابًا للشهود أنْ يقوموا بدور في الإصلاح بين الزوجين، قبل الذهاب إلى الطلاق رسميًّا.
ولا شكّ أنَّ المتتبّع لحالات الطلاق في العهد النبوي الشريف يتبيّن له أنّه لم يرد فيها اشتراطُ الإشهاد، وما ورد عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يدلّ على وجوبه.
ومن هنا قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
(الإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوْبِ الإِشْهَادِ فِي الطَّلَاقِ) السيل الجرار للإمام الشوكاني رحمه الله سبحانه.
والإجماع المذكور محمول على قضية الوجوب وليس الندب.
(واتفق الجميع على أنّ هذا الإشهاد ليس شرطًا في صحة المراجعة أو المفارقة؛ لأنّه إنّما شرع احتياطًا لحقهما، وتجنّبًا لنوازل الخصومات؛ خوفًا من أنْ يموت فتدعي أنّها زوجة لم تطلق، أو أنْ تموت هي فيدعي هو ذلك) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور رحمه الغفور جلّ جلاله.

ثالثًا: هنالك مَنْ يحاول أنْ يحدَّ من تطبيق بعض أحكام الشرع الشريف، ويسعى في إبطالها وخاصةً ما يتعلّق بالأحوال الشخصية، كهذه المسألة وغيرها.
ومنهم مَنْ تناول القضية بطريقةٍ غير منهجيةٍ، وشنَّ حملةً شعواء على الفقهاء الذين قالوا بعدم اشتراط الشهود في الطلاق، مع أنّ هذا هو المأثور لحالاته في العهد النبوي الشريف، وهو قول الجمهور كما تبيّن.
وخلاصة الأمر:-
أنّ الزواج والطلاق قضايا شرعية تستمدُ أحكامَهما من الشرع الشريف حسبما يقرّره الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وأنّ جمهورهم قد اتفقوا على وقوعه عند صدور لفظه الصريح من الزوج وإنْ لم يكن قاصدًا له، وإنْ كان شفويًا غير مكتوب ولا موثّق وبدون شهود.
وأنّ الجمهور قد حملوا الأمر بالإشهاد في الآية الكريمة:-
{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم} سورة الطلاق أية 2.
على الندب والاستحباب لا على الوجوب.
لكن إذا رأى وليّ الأمر أنّ النّاس قد أساءوا فيه بسبب ضعف ثقافتهم الإسلامية فله أنْ يشترط الإشهادَ، فينتقل حكمه من الندب إلى الوجوب -على نحو مؤقت فقد تتغيّر أحوال النّاس فيعود الحكم إلى أصله- والغاية من ذلك الزجر والتأديب، فلولي الأمر الحقّ في إصدار بعض القرارات أو الأحكام التي يرى أنّها تؤدّب الناس، كما فعل سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في وقوع الطلاق البائن حال إرسال التطليقات الثلاث في مجلس واحد، وليس في هذا محاولة لإنزال الشرع الشريف إلى مستوى النّاس بل هو رغبةٌ للارتقاء بهم إلى مستواه، على أنْ يصاحبه جهدٌ إعلاميٌّ لتثقيف المسلمين بأحكام الشرع الشريف من خلال كلّ ما هو متاح من وسائل التواصل وأجهزة الإعلام وهي كثيرة والحمد لله ربّ العالمين.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على الرحمة المهداة، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه أجمعين.